
في العام 1990، كانت النيران تلتهم الجبهات، معارك دفاعية قبل أن تكون هجومية، واجب لا مغامرة. وفي قلب تلك الحرب المفروضة، حيث لا خيار فيها سوى الوقوف بثبات، حمل ديب مطر، من نخبة النخبة في “القوات اللبنانية“، خوفًا واحدًا لا يشبه خوف الموت. كان يركع مصلّيًا كلّما أتته الفرصة، يناجي العذراء مريم من أعماق قلبه بصوت أقرب إلى البكاء منه إلى الصلاة:
“يا عدرا دخيلِك… أنا مش خاطي. ما بدي نموت بالبرّية، وتاكل جثثنا الدياب والواوية.” هذه الجملة البسيطة، كانت بكل صدقها وبراءتها، وحي مبكر لما سيواجهه لاحقًا.
في نيسان من ذلك العام، كانت القليعات في كسروان رأس الحربة: أعلى نقطة، أكثر موقع مكشوف، والبوابة التي حاولت الوحدات المهاجمة عبرها اختراق الدفاعات والالتفاف نحو ساحل كسروان، مركز الثقل العسكري واللوجستي لـ”القوات اللبنانية”. ولحماية هذا الخط الحيوي، برزت الحاجة إلى عمليات دقيقة وسريعة. ومن بين أبرز هذه المهمّات كانت التوجّه إلى زبوغة في المتن، نحو موقعٍ عسكريّ معادٍ، شكّلت نيرانه المتواصلة تهديدًا دائمًا لكسروان بأكملها، واضعةً حياة المدنيين الأبرياء تحت خطرٍ مباشر لا يرحم. وحين طُلب من ديب مطر أن يكون جزءًا من هذه المهمّة، فهم فورًا طبيعتها، وقرأ ما بين سطورها، فلم يتردّد، لم يتراجع ولم يشكّك. وضع الواجب فوق أي اعتبار شخصي، وأجاب بجرأة تشبه طبعه، بكلمات بدت كأنها توقيعه الأخير: “أنا بعرف رح موت بشي مهمة… بس بفضّل موت ألف مرّة وما يقولوا عنّي إنّي هربان أو جبان. هيدا مش من شِيَم الصدم، لأنّو نحن ما منخاف إلا من الله بس.”
لكن ما كان غير ظاهر في تلك اللحظة، هو أنّ ديب أو “عماد”، لم يتحضّر لها كما تحضّر لمهمات سابقة. لم يمشِ بخفته، ولا انطلق بحماسته المعتادة. كان هادئًا، أكثر من اللازم. كأنّه يوضّب نفسه، لا عتاده. كان يمشي بثقل رجل يعرف أنّ كل خطوة محسوبة، وأنّ حياة من خلفه قد تتعلّق بقرار واحد يتّخذه. جلس طويلًا يراقب الأرض… ثم وضع مسدسه الخاص في جيبه، كخيار أخير يعرف وحده لماذا يحتفظ به.
هاتفَ ديب منزل أخيه الأكبر سنًا، وطلب منهم ألّا يقلقوا، إلّا إن غاب ثلاثة أيّام بلا خبر. وقبل أن يمضي، أرسل سِنساله وصليبه الذهبي أمانةً إلى ابنة أخيه التي أحبّها كابنته، كأنّه أدرك أنّ ما لا يُقال عند الوداع، يُترك أمانةً لمن نحب. مشى نحو رفاقه واحدًا واحدًا. تأمل وجوههم وكأنّه يلتقط الصور الأخيرة بذاكرته، ابتسم ابتسامة خفيفة تشبه الوداع… وقال بنبرة حاسمة: “هالمرة… مش راجع، انتبهو على حالكم.”
خرج ديب من دون أن يلتفت، راسمًا علامة الصليب، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلاً، سائرًا نحو المجهول بثقة رجل يعرف قدَره، مدركًا أن الثمن قد يكون حياته.
وحانت ساعةُ المهمة… لحظة بدت وكأن الزمن توقّف فيها.
في تلك الثواني المشحونة، انكمش العالم في عيني ديب إلى هدفٍ واحد: تدمير الموقع المعادي بعد ساعات طويلة من الانتظار المرهق، مترصّدًا كل حركة، متأكدًا أن لا ظلّ لمسلّح في المكان. نجحت العملية، لكن طريق العودة كان أشبه بممرّ إلى المجهول… أخطر من أي معركة عرفها.
وعلى ضفاف النهر الفاصل بين كسروان والمتن، في وادي الصليب – كفردبيان، استراح ديب ورفاقه قبل أن يخذلهم الوقت. جلسوا على ضفاف النهر، قرب جسر الخشب، في استراحة محارب قصيرة بانتظار حلول الليل واستكمال العودة. وكان هدير النهر عاليًا، يبتلع الأصوات من حولهم، كأنّه يخفي في عمقه إنذارًا لا يلتقطه إلا من اعتاد الإصغاء للخطر، ويستر تحرّكات تتقدّم في الظل وتمشّط الأحراج بعد تدمير الموقع.
دقائق من السكون فقط، لكنها كانت كافية ليبرد الهواء من حولهم، وببطءٍ قاتل، تحوّل ذلك الهدوء إلى عينٍ ترصدهم من بعيد ثم إلى فخّ يطبق عليهم بلا رحمة.
وفجأة… كأن الجبل نفسه انشقّ، خرجت مجموعات المهاجمين من كل الجهات، وفي ثوانٍ قليلة، انفجر المكان بوابلٍ مجنون من الرصاص، يهدر فوق الصخور ويشقّ الهواء كأنّه عاصفة من الحديد.
ارتجّت الأرض تحت أقدامهم وارتفع الغبار من حولهم. أصيب ديب ورفاقه إصابات موجعة لكنها لم تكن قاتلة، وتمكّنوا من الانسحاب إلى مواقع شبه آمنة. لكن المشهد الأكثر قسوة كان بجانب ديب مباشرة: رفيقه الذي يخوض معه أوّل مهمة ميدانية، أصيب إصابة بالغة برصاصات الغدر، فسقط شهيدًا، تاركًا مهمته الأولى… والأخيرة معه.
أمّا ديب المصاب، فواصل إطلاق النار بدقة، مسجّلًا عدة إصابات مانعًا أيّ أحد من الاقتراب، إلى أن أصيب ثانيةً برصاصة اخترقت جسده بقوة، أسقطته أرضًا، شلّت حركته وأبقته وحيدًا في النقطة الأكثر انكشافًا، وسط جحيم يلتهم المكان. وعلى الرغم من الألم الذي غمر كل عضلة في جسده، استلقى على بطنه، محاولًا صرف انتباه العدو ومنح رفاقه فرصة الانسحاب. كل نفس كان صراعًا بين الحياة والموت، وكل حركة صغيرة تضحية لأجل الآخرين.
رفع جهازه المرتجف وأرسل رسالة وداع أخيرة إلى رفيقه “وليم”، محمّلة بكل معاني الأخوة والوفاء التي لا تعرف حدودًا: “وليم… الشمس نامت، واضح أنّي رح شوفك عند شروق القمر”.
لم تمر ثوانٍ حتى اقترب قائد إحدى المجموعات المهاجِمة بوحشية، محاولًا قلب جسد ديب كما لو أنّه غنيمة حرب، دائسًا بقدمه على جرحه. أمسّك ديب مسدسه، رافضًا الاستسلام، وأطلق رصاصتين مزقتا صمت المكان وأسقطتا القائد أرضًا. لكن سقوط القائد لم يخّفف من حدة الهجوم على الإطلاق، بل زاد من شراسة رجالِه، الذين انفجروا بهجوم ناري عشوائي، بلا رحمة ولا إنسانية، محوّلين جسد ديب إلى هدف تتناوبه نيرانهم الحاقدة، كأنهم يريدون محو أي أثر للحياة فيه.
خمد صوت ديب أخيرًا، وأسلم روحه في قلب البرّية، كما أُوحي له مسبقًا، تاركًا المكان شاهدًا على شجاعة لا تعرف الانكسار، وعلى وحشية لا تعرف شفقة.
حينها، تحوّلت المنطقة إلى بقعة نزاع مشتعلة، وأصبح الوصول إلى ديب محفوفًا بالمخاطر… فشدّة القصف، وتعقيدات السيطرة الميدانية أبقت جثمانه ملقى في تلك البرّية التي كان يخشاها، حيث الشمس تمرّ فوقه بلا رحمة، والليل يهبط عليه من دون أن يجد من يناديه باسمه.
وبعد محاولات مضنية، ومع تصاعد القصف الصاروخي والمدفعي، وكأن السماء تمطر نارًا، وحيث بدا أن الأرض نفسها تآمرت على من حاول الاقتراب، رافضة أن يُسلّم الجسد بسهولة، محاولة إطالة معاناة من بقي على الأرض، أُرسلت فرق مختصّة من الصليب الأحمر اللبناني لسحب الجثث والمصابين.
وبعد جهد مضنٍ ووقت طويل، تمكّن أخيرًا الصليب الأحمر من سحب جثمانه، فعاد ديب إلى رفاقه، لا حيًّا كما تمنّوا، بل جثة محارب حمل معه صمت الأرض وقسوتها، وترك جرحًا لا يندمل في قلوبهم، ودموعًا لن تجف.
نشأ ديب مطر منذ صغره محاطًا بالصعاب، فتعلم أن المسؤولية فوق كل اعتبار، وأنّ الشجاعة لا تُقاس بالعمر بل بصدق النية. قد عاش يتيم الأم، ضمن عائلة تتألف من أربعة إخوة وأخت وحيدة، فكان والده يقوم بدور الأم والأب معًا، يحمل الحنان والعزم في آن واحد، بينما كان شقيقه الأكبر “توفيق” السند والدليل، مرشدًا وداعمًا لا يكلّ. لم يذق ديب دفء الأم ولا حنان الزوجة، لكنه عوّض ذلك بحبٍ عميق للواجب، بإخلاص لا يعرف الحدود، وبإيمان صارم بأن كل لحظة حياة هي فرصة لحماية مَن حولَه مهما ثقل الطريق.
في طفولته، كان ديب يساعد والده في تأمين مصروفه، يبيع مع شقيقته الحلويات مثل السمسمية، التي يصنعانها لأبناء القرية. وعندما كبرَ، التحق بمدرسة داخلية في المنصورية، حيث تعلّم مهنة النجارة، لكنه لم يجد في بعده عن أهله ما يكفي لإشباع إحساسه بالواجب. فاستجاب لنداء قلبه، وانطلق نحو مسار أكبر: الانضمام إلى المقاومة اللبنانية في زحلة، حيث اختبر مسؤولية لم تعرفها سنوات الطفولة… لاحقًا، انتقل إلى بيروت حيث تطوّع في “القوات اللبنانية” في العام 1982، والتحق بعدها بوحدات “أدونيس” بعد إتمام دورة تأهيل القوات الخاصة في معهد بشير الجميل، ثم انضم إلى فرقة الصدم في العام 1984.
هناك تميّز ديب بانضباط صارم، وحضور عسكري لافت، وهدوء وثقة لا تهتز في ساحات التدريب والمعارك، وكان دائمًا في الصفوف الأمامية، مطمئنًا إلى رفاقه خلفه ويمنحهم المعنويات بلا كلل… وفي الوقت نفسه، كان مرِحًا ومحبًّا للحياة، دائم الحركة، يحمل قلب طفل في جسد رجل، معطاء الى أبعد الحدود. إنسانيًا يخاف على العسكر والمدنيين، متواضعًا، مؤمنًا، حنونًا، ومحبًا لعائلته، يغدق على الأطفال بالسكريات أينما التقى بهم وكلما سنحت له الفرصة.
مع مغيب شمس 10 نيسان من العام 1990، ودّع العالم ديب مطر عن ربيع لم يتجاوز الخامسة والعشرين، لكنه ترك أثرًا يفوق الزمن في قلوب من عرفوا طريقهم في الظلمة بالفطرة. كانت روحه روح رجل اختار أن يكون حيث تُصنع القرارات الصعبة، ومع كل حركة وكل ابتسامة، أثبت أن البطولة لا تكمن في القسوة، بل في الوفاء، والشجاعة، والقدرة على حماية من حوله على الرغم من كل المخاطر.
ديب لم يسعَ للشهرة، ولا للمكافآت، ولا للمناصب، بل حمل رصيده الحقيقي في قلب رفاقه وفي سجلّ الفرقة التي لبّت نداء الواجب المقدس. فصار اسمه من الأسماء التي تهمس بأن البطولة ليست صراخًا، بل وقفة ثابتة، خدمة صادقة، وإيمانًا بالله لا يلين مهما اشتدّت الأيام.
لم يكن مجرد مقاتل، بل رمزًا للأخوّة، مؤمنًا بأن الأخ هو آخر خط دفاع في هذه الحياة. لم يكن للخوف مكان في نفسه، بل كان إيمانه بالواجب والتضحية يقوده، وهدوءه وثقته بنفسه في ساحات المعارك كانا سلاحه الاقوى.
رحل ديب تحت راية النور، لكنه لم يرحل حقًا… فترك دموعه في كل قلب عرفه، وصدى ضحكته ودفء حضوره حيًّا في الذاكرة. حتى بعد أن اختفت خطواته عن الأرض، حوّل صمت الفراغ إلى رسالة حيّة لوطن اسمه لبنان: عن شجاعة لا تموت، ووفاء لا يلين، ورجل حمل في قلبه كل معاني الإنسانية على الرغم من قسوة الحرب.
