#dfp #adsense

من الردع إلى الاستنزاف: لبنان في الحسابات الإقليمية

حجم الخط

لم يعد لبنان في موقع يسمح له بإضاعة الوقت في نقاشات عاطفية أو انقسامات خطابية حول هذا المحور أو ذاك. الواقع بات أوضح من أن يُجمَّل: لبنان يقف بين خيارين لا ثالث لهما ـ إما دولة قادرة على الاستمرار، أو ساحة تُدار وتُستنزف. الفارق بين الخيارين ليس لغويًا ولا سياسيًا، بل وجودي، وتكلفته تُقاس بمستقبل مجتمع كامل لا بشعارات مرحلة عابرة.

في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، تتقدّم حسابات الدول الكبرى على حساب الكيانات الهشّة. الأزمات في هذا الشرق لا تُدار من أجل حلّها، بل من أجل توظيفها ضمن صراعات أوسع. إيران، التي تواجه ضغطًا داخليًا غير مسبوق، تتحرّك اليوم بمنطق حماية النظام قبل أي اعتبار آخر. هذا ليس حكمًا أخلاقيًا، بل توصيف لطبيعة الدول حين تشعر بأن الداخل بات مهدّدًا. في مثل هذه الظروف، تتحوّل الساحات الخارجية إلى أدوات لإعادة ضبط الضغط السياسي والإعلامي، لا إلى مساحات مواجهة نهائية.

من هذا المنطلق، يصبح مفهومًا لماذا لا يبدو التصعيد الواسع خيارًا مريحًا لطهران، ولماذا تُدار كل التحركات ضمن سقوف دقيقة. الحرب الشاملة لا تشكّل أداة إنقاذ لنظام مضغوط، بل مقامرة قد تُنتج نتائج عكسية لا يمكن احتواؤها. لذلك، تُدار الساحات بمنطق الجرعات المدروسة: توتر كافٍ لرفع الكلفة على الخصوم، من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة أو انهيار شامل.

في هذا السياق، يقف “الحزب” في موقع بالغ التعقيد. هو ليس تفصيلًا هامشيًا، ولا ورقة سهلة الاستهلاك، لكنه في الوقت نفسه لم يعد أصلًا استراتيجيًا يمكن استخدامه بحرية مطلقة. قدرته العسكرية ما زالت قائمة، غير أن قيمة استخدام هذه القدرة تغيّرت جذريًا. فكل خطوة تصعيدية اليوم تُقاس ليس فقط بما تُحدثه من ردع، بل بما تفتحه من مسارات طويلة الكلفة: تدمير يصعب تعويضه، ضغط دولي يتجاوز حدود الخطاب، وبيئة داخلية منهكة لم تعد تملك هامش الاحتمال الذي كان متاحًا في مراحل سابقة.

بالتوازي، تحوّل السلاح في الوعي الدولي، وفي جزء واسع من الداخل اللبناني، من عنصر حماية إلى عنصر إعاقة. هذا التحول ليس تفصيلًا معنويًا، بل تغيير في شرعية الدور. وفي التجارب السياسية، الشرعية هي التي تحسم مستقبل القوى داخل الدول، لا ميزان القوة وحده.

في المقابل، تعمل إسرائيل وفق معادلة مختلفة. هي لا تسعى إلى حرب شاملة غير مضمونة النتائج، لكنها ترفض في الوقت نفسه أي مسار يسمح بإعادة ترميم قدرات خصومها بهدوء. لذلك تعتمد سياسة الضغط المتدرّج والضربات المحدودة، بما يبقي الجبهة في حالة توتر دائم، ويجعل أي انفلات محتمل نتيجة تراكم أخطاء أو سوء تقدير، لا نتيجة قرار استراتيجي معلن. هذه المعادلة تضع لبنان في موقع هشّ، حيث لا مواجهة تُحسم ولا تسوية تُبنى، بل استنزاف بطيء يطال الدولة والمجتمع معًا.

هنا تتقاطع الأزمة الإقليمية مع المعضلة اللبنانية الداخلية. استمرار هذا النمط ـ إدارة التوتر على أرض ضعيفة ـ يعني عمليًا تحويل لبنان إلى مساحة استهلاك سياسي وأمني، لا إلى دولة قادرة على إنتاج قرارها. كل تأجيل للنقاش السيادي الحقيقي يراكم كلفة إضافية على الاقتصاد والمجتمع وعلى فكرة الدولة نفسها. ومع كل مرحلة يُبرَّر فيها التعطيل بحجة “الظرف”، يتقلّص الهامش أكثر ويصبح الخروج من المأزق أصعب.

إذا استمر هذا المسار، فإن المستقبل يصبح قابلًا للتوقّع بوضوح مؤلم: دولة بلا قدرة تقرير، اقتصاد بلا أفق، وشباب بلا سبب للبقاء. عندها لا يكون لبنان منتصرًا ولا مهزومًا، بل مستنزفًا حتى فقدان المعنى. وهذا أسوأ مصير يمكن أن تصل إليه دولة.

البديل لا يكمن في شعارات قصوى ولا في مواجهات انتحارية، بل في مسار عبور واقعي من وضع “الساحة” إلى حدٍّ أدنى من “الدولة”. هذا العبور لا يتم بقرار واحد ولا بمواجهة مباشرة مع موازين القوى القائمة، بل بتراكم سياسي وأمني محسوب: تضييق تدريجي لهوامش الاستخدام الأحادي، تثبيت دور المؤسسات حيثما أمكن، وربط أي تهدئة أو ترتيبات أمنية بإطار لبناني واضح لا بوظيفة إقليمية مؤقتة. ليس المطلوب إلغاء الوقائع بالقوة، بل منع تحويلها إلى قدر دائم.

السياسة الذكية لا تبحث عن انتصارات إعلامية رمزية، بل عن استمرارية الكيان بأفعال ثابتة. ولبنان اليوم لا يحتاج إلى رفع السقوف، بل إلى خفض كلفة البقاء. فالدول لا تُقاس بحدة خطابها، بل بقدرتها على حماية مجتمعها من التحول إلى أداة. وعندما يغيب هذا الإدراك، لا يبقى السؤال مع أي محور نقف، بل ما إذا كان قد بقي وطن نقف عليه أصلًا.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل