
ما يزال التحوّل الجذري في المقاربة الرسمية لملف حصرية السلاح، يتفاعل بقوة في أروقة “الحزب” ولا سيما استخدام تعبير “جماعات مسلّحة” للمرة الأولى، وهي العبارة التي أطلقها رئيس الجمهورية أخيراً لمناسبة مرور سنة على توليه سدة الرئاسة، وبما يعني أن لا وجود لما يسمّى “مقاومة” بعد اليوم، بل “جماعات مسلحة”، بعدما “انتهى دور السلاح، وهناك الجيش والدولة مسؤولان عن أمن وحماية جميع اللبنانيين”، كما قال عون.
“الحزب” تمهّل في التعبير عن غضبه الشديد من الرئيس عون، بشكل رسمي، لأن الرسالة واضحة وعبارة “الجماعات المسلحة” تسقط كل “شرعية” وكل أوراق التين عن “مقاومته”. هو اكتفى في البداية بإطلاق العنان لجيوشه الإلكترونية عبر مواقع التواصل الاجتماعي لشن حملة شعواء على عون. لكنه لاحقاً، أوصل غضبه من موقف عون عبر القنوات والاتصالات السياسية.
بعدها، انتقل “الحزب” إلى تظهير موقفه “الغاضب” من عون بشكل تصاعدي، على لسان قياديين بارزين تعمدّوا التشدد ورفع السقف برفض تسليم السلاح وكل ما يحكى عن شمال الليطاني، وصولاً حتى إلى التهديد بالحرب الأهلية والفتنة، كما لوّح محمود قماطي. من دون أن ننسى التسريبات التي لمّح فيها “الحزب” إلى احتمال تدخله في الحرب الإسرائيلية الأميركية الإيرانية إن وقعت، من خلال فتح جبهة الجنوب مع إسرائيل مجدداً لإسناد راعيته إيران.
لكن هل ما زال “الحزب” يملك أي إمكانية لتفجير الوضع اللبناني من جديد، أم أن ما نسمعه هو صراخ “الموجوع العاجز” أكثر ممّا هو موقف القوي القادر بظل ما أصاب ويصيب المحور بكل امتداداته، وصولاً إلى قلبه ورأسه في طهران؟.
مصادر برلمانية بارزة تعتبر، أن “المعادلة باتت واضحة”، بقدر ما تكون إيران قوية بقدر ما يكون “الحزب” قوياً، بقدر ما تضعف إيران يضعف “الحزب”. قوة “الحزب” متأتية من قوة إيران، ضعف “الحزب” هو نتيجة لضعف إيران، هذه معادلة ثابتة.
عن تطور مسار الأحداث، ترى المصادر ذاتها أنه لا يمكن تقدير الأمور حالياً بشكل حاسم بانتظار ما ستصل إليه وكيف ستكون نهاياتها، وبالتالي، أي تشخيص يجب أن ينطلق من واقع الحال اليوم. هذا الواقع يؤكد أن إيران و”الحزب” في أسوأ وضع، منذ الثورة الإسلامية الإيرانية العام 1979 إلى اليوم.
تضيف المصادر: “إيران والحزب في ورطة كبيرة جداً نتيجة الحرب التي حصلت والتي افتعلاها؛ “طوفان الأقصى” و”حرب الإسناد”، والتي أدت إلى خسارة “حماس” وهزيمة “الحزب” وسقوط نظام الأسد وحرب الـ12 يوماً في إيران. وبالتالي، أظهرت هذه الحرب ضعف إيران وأنها غير قادرة على المواجهة، وأعادت طهران عقوداً إلى الوراء. فعندما نتحدث عن خروج سوريا كحلقة وصل بين مكونات “محور الممانعة” ومكونات ما يسمَّى “وحدة الساحات”، وعندما سقطت الساحة السورية، سقطت تلقائياً الساحات الأخرى انطلاقاً من واقع الجغرافيا”.
بمعزل عن الحدث الشعبي العارم والاحتجاجات المتواصلة والمتصاعدة في إيران، تؤكد المصادر أن النظام الإيراني و”الحزب” في ورطة كبرى اليوم والآن، انطلاقاً ممّا أشرنا إليه. فعلى سبيل البحث النظري، إذا بقي النظام الإيراني بعد تراجعه وخضوعه للشروط التي تُفرض عليه وحافظ على وجوده، بيولوجياً، ماذا يمكنه أن يفعل “الحزب”؟، لا شيء. وتلفت في هذا السياق، إلى أنه بظل الفصل الجغرافي، لم يعد بإمكان إيران الدخول إلى لبنان وإمداد “الحزب” بالسلاح وإدخال “الحرس الثوري”، إذ إن سقوط حلقة الوصل الأساسية، سوريا، أدى إلى سقوط تلقائي للحزب.
تتابع المصادر البرلمانية: “الحزب اليوم في ورطة كبرى ولا يستطيع أن يفعل أي شيء، فكم بالحري إذا ذهبت الأمور باتجاه سقوط النظام الإيراني؟، ستكون النهاية، يسقط “الحزب” في لبنان وينتهي مبرر وجوده وعليه أن يغيّر اسمه”.
المصادر توضح، أن علة وجود “الحزب” إيرانية، وهو وُجد وأُنشئ أساساً كجزء من الثورة الإسلامية الإيرانية التوسعية التخريبية. هو جزء من هذا المشروع التوسعي التخريبي وذراع لهذه الثورة، وعندما تسقط، ماذا يبقى من وجود له؟، إذ حين يسقط هذا النظام وهذا المشروع وتسقط هذه الثورة، تسقط كل المقاربة المتصلة بها. تماماً كما حصل حين سقط الاتحاد السوفياتي فتهاوت كل الأنظمة التي كانت ملحقة به وتدور في فلكه، والاستثناءات التي تعنَّتت وبقيت، بغض نظر دولي لأنها لا تشكل خطراً على النظام العالمي، كناية عن دول منهارة فقيرة وعاجزة وضعيفة، بانتظار أن يتم الحسم باتجاهها في أي لحظة إن تمادت أكثر وشكلت خطراً، كما شاهدنا في فنزويلا.
تضيف: “إذا سقط النظام الإيراني نصبح في مرحلة أخرى و”الحزب” لا يستطيع أن يفعل أي شيء، إذ يسقط مبرر أن يبقى “الحزب” جزءاً من هذا المشروع والتفكير وهذا المنطلق الذي سقط وزال، ويضعف كثيراً، لأنه يخسر العقيدة والمال والإمداد ويخسر أي إمكانية للنهوض، لأن النظام الإيراني أوجده. وبالتالي، الحزب” اليوم في وضع ضعيف للغاية، فكم بالحري إذا سقط النظام الإيراني؟، عليه عندها إن أراد الاستمرار في السياسة أن يُكمل بشكل آخر وعنوان آخر مختلف تماماً”.
“نحن في مرحلة انتظار حاسمة، لكن لا شك أن التطورات التي تحصل هائلة، والأمور لن تتوقف عند الحرب العسكرية ونتائجها المدمرة لهذا المحور، إنما تتابع على مستوى الثورة الداخلية في إيران، والأنظار العالمية مركزة على هذه الثورة ومدى إمكانية أن تؤدي إلى سقوط النظام الإيراني، وهذا يؤدي طبعاً إلى ارتطام كبير على مستوى الشرق الأوسط برمّته”، تختم المصادر البرلمانية.
