#dfp #adsense

بري بين الإنكار وتكريس الدويلة: خطابٌ ساقط لسقوط المنظومة

حجم الخط

بري

في كل مرة يخرج رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى اللبنانيين بخطاب أو مقابلة، يثبت مرة جديدة أن من أمضى ثلاثة عقود ممسكًا برقاب المؤسسات لا يزال يعتبر نفسه فوق المساءلة، وفوق الدولة، وفوق حقيقة أنه أحد أبرز صانعي الانهيار الذي يتغنّى اليوم بتشخيصه. فالرجل الذي يقدّم نفسه كعرّاف سياسي يسرّب مخاوفه على شكل نصائح، كشف في مقابلته الأخيرة عن مأزق أخلاقي وسياسي لا يستطيع الهروب منه: هو يتحدث عن دولة عاجزة، ومؤسسات منهارة، وعدوان إسرائيلي مستمر، لكنه يتجاهل أنه رأس المنظومة التي عطّلت الدولة وحوّلتها إلى حارس لسلاح غير شرعي، لا إلى دولة ذات سيادة.

حين يعترف بري بأن لجنة الميكانيزم فشلت، فهو لا يمارس شجاعة سياسية، بل يسجّل اعترافًا موثقًا بالعجز الذي أنتجه المسار الذي شارك هو في هندسته. الاتفاق الذي تباهى به يومًا صار فجأة بلا قيمة، والآليات الدولية التي روّج لها باتت “مجرد حبر على ورق”، وكأنّ من وقّع وسوّق وغطّى لم يكن بري نفسه. هذا ليس تشخيصًا، بل محاولة لتبرئة الذات من مسؤولية مباشرة عن الخيارات الكارثية التي دفعت لبنان إلى أن يصبح رهينة سلاح لا يقرّر أحد متى يشتعل ومتى يطفأ. بري الذي يسأل مستنكرًا: “أليست الحرب مستمرة رغم وقف إطلاق النار”؟، يعرف تمامًا أن الحرب مستمرة لأن القرار لا يعود للدولة، ولأن السلاح الذي يدافع عنه باسم “الوحدة” لا يلتزم بأي مرجعية دستورية، بل بمرجعية إقليمية تتصرف بلبنان كمنصة رسائل ومقايضات.

ومن هذا الباب يدخل بري إلى شعاره المفضّل: الوحدة الوطنية. وكأنّ اللبنانيين أصيبوا بفقدان للذاكرة. أي وحدة يقصد؟ وحدة خلف حزب مسلّح يقرر الحرب والسلم؟ وحدة خلف زعيم يعتبر المجلس النيابي ملكًا خاصًا؟ وحدة مبنية على الخضوع لا على المشاركة؟ بري يطالب بوحدة وطنية بينما هو نفسه أحد أبرز صانعي الانقسام. يطلب من اللبنانيين التوحّد خلف سلاح تسبب لهم بالعزلة الدولية والاقتصادية، ويرفض في الوقت نفسه التوحّد خلف الدولة، لأنها ببساطة لا تمنحه السيطرة نفسها التي يمنحها السلاح. كيف يمكن للبنان أن يتوحّد تحت سقف راعٍ للدويلة، فيما قسم كبير من اللبنانيين يدفع ثمن هيمنة هذا السلاح منذ عقود؟ تلك الوحدة ليست سوى مطالبة بالاستسلام، لا دعوة للمّ الشمل.

ولا يكتفي بري بتجميل صورة السلاح، بل يحاول فرضه على أنه “قضية وطنية جامعة”، متجاهلاً أن المقاومة التي يتحدث عنها ليست فكرة معنوية بل جهازًا عسكريًا حزبيًا منظمًا، يخضع لقيادة خارج مؤسسات الدولة. تحويل هذا السلاح إلى قضية وطنية يعني عمليًا إلغاء الدولة نفسها، وهذا ما جرى بالفعل: كلما تعاظم السلاح، تراجعت الدولة، وكلما توسّعت الدويلة، انكفأت المؤسسات. ومع ذلك، يصر بري على أن الدولة لم تكن تحمي أبناءها، فاضطروا إلى إنشاء المقاومة. هذه الرواية تُسقط نفسها بنفسها: كيف لدولة تُمنع من ممارسة سيادتها منذ سنوات طويلة أن تكون قادرة على حماية أحد؟ ومن الذي منعها؟ من الذي عطّل القرارات؟ من الذي استخدم المؤسسات لخدمة مشروع لا يشبه لبنان؟ الجواب ليس سرًا: بري وحلفاؤه.

وحين يحاول بري توجيه الانتقادات للحكومة بـلهجة “مخفّفة”، تبدو السخرية في ذروتها. الرجل الذي عطّل الحكومات، وجمّد الانتخابات الرئاسية، وشلّ المؤسسات لسنوات، يطالب اليوم بالحياد والالتزام والالتفاف حول الدولة. أي منطق هذا؟ كيف يهاجم الحكومة على قرار يتعلق بتصويت المغتربين، وهو الذي هندس قوانين انتخابية على قياس المحاصصة؟ إنه الخطاب نفسه: تحميل الآخرين مسؤولية نتائج مسار شارك هو في ترسيخه، ثم التنصّل من كل شيء وكأنه لم يحكم يومًا.

أما حديثه عن الأسرى والانتخابات، فيأتي كضرورة سياسية لا كقناعة وطنية. بري يعلم أنه فقد القدرة على تسويق أي رواية قابلة للتصديق، فيلوّح بورقة الأسرى ليحفظ بعض الشرعية العاطفية، ويصرّ على موعد الانتخابات ليظهر بمظهر حامي الدستور. لكن الحقيقة واضحة: لا انتخابات حقيقية ولا مؤسسات فعلية ولا قدرة للدولة على حماية مواطنيها ما دام القرار الفعلي خارج مؤسساتها. لا يمكن للانتخابات أن تنتج سلطة جديدة طالما ظلّ السلاح هو الحكم النهائي، وطالما بقي المجلس النيابي نفسه تحت إدارة من قضى عمره السياسي في تعطيل الحياة الدستورية.

في النهاية، ما قاله بري في مقابلته هو اعتراف غير مباشر بأن اللبنانيين يعيشون في دوامة لا مخرج منها وفق المعادلة الحالية. فالآليات الدولية فاشلة، والدولة ضعيفة، والمقاومة محل انقسام، والوحدة شعار لا يتحقق. لكنه يتجاهل أن هذه الدوامة لم تنشأ وحدها؛ إنها نتاج ثلاثة عقود من هيمنة منظومة بقي هو عنوانها الأكثر رسوخًا. الصراحة التي يتبجّح بها ليست صراحة رجل يريد حلًا، بل اعتراف رجل يعرف أن اللعبة انتهت، وأن لبنان يختنق داخل المعادلة التي فرضها: دولة بلا قرار، شعب بلا حماية، وسلاح بلا سقف.

ولأن بري لا يجرؤ على قول الحقيقة كاملة، سنقولها بدلاً عنه: لا خلاص للبنان ما دام القرار الفعلي خارج الدولة، ولا وحدة وطنية تُبنى على الخضوع، ولا سيادة في ظل دويلة تتحكم بكل شيء، ولا دولة في ظل منظومة ترفض الدولة. الطريق الوحيد يبدأ حيث ينتهي خطاب بري: عند لحظة استعادة الدولة لقرارها، وانتزاع السلاح من يد الدويلة، وكسر الحلقة الجهنمية التي أسّسها بري نفسه. غير ذلك، سيبقى لبنان عالقًا في جهنم صنعتها المنظومة، ويريد بري اليوم أن يقنع اللبنانيين بأنها قدَر لا مهرب منه…

إقرا أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل