#adsense

مدينة أوروبية تعيّن “شاعر رسمي” بدل متحدث إعلامي

حجم الخط

في خطوة غير مسبوقة، قررت مدينة أوروبية التخلي عن النموذج التقليدي للتواصل الرسمي، واستبدلت منصب المتحدث الإعلامي بمنصب جديد تمامًا: “الشاعر الرسمي للمدينة”. القرار لم يكن تجميليًا أو دعائيًا بقدر ما كان ردًا مباشرًا على حالة من الإرهاق العام التي أصابت السكان من اللغة البيروقراطية الجافة، والبيانات الرسمية التي لا تُقرأ إلا اضطرارًا.

البلدية برّرت القرار بأن الكلمات لم تعد مجرد أدوات لنقل المعلومة، بل أصبحت عاملًا أساسيًا في تشكيل العلاقة بين السلطة والمجتمع. وحسب ما جاء في بيان التعيين، فإن “اللغة الإدارية التقليدية فقدت قدرتها على الإقناع والطمأنة، بينما لا تزال اللغة الشعرية قادرة على الوصول إلى الناس دون صدام”. الشاعر، الذي تم اختياره عبر مسابقة مفتوحة شارك فيها مئات الكتّاب، لن يكتب قصائد غزل أو نصوصًا تجريدية، بل سيحوّل القرارات البلدية، القوانين الجديدة، وحتى الإعلانات الخدمية إلى نصوص شعرية قصيرة تُنشر في الساحات العامة، وعلى الجدران، وفي وسائل النقل.

الفكرة أثارت جدلًا واسعًا منذ اليوم الأول. البعض اعتبرها خطوة عبقرية تعيد الإنسانية إلى الفضاء العام، والبعض الآخر رآها تهرّبًا من الشفافية، معتبرًا أن الشعر قد يُستخدم لتجميل قرارات قاسية أو لإخفاء تفاصيل مهمة خلف الاستعارة والرمز. لكن البلدية ردّت بأن النصوص الشعرية سترافقها دائمًا نسخة قانونية كاملة متاحة لمن يريد التفاصيل، وأن الهدف ليس الإخفاء بل تغيير مدخل التواصل.

اللافت أن التجربة بدأت تؤتي ثمارها بسرعة. إعلان زيادة الضرائب المحلية، الذي كان عادة يشعل موجة غضب، نُشر هذه المرة في شكل نص يتحدث عن “حمل مشترك لثقل المدينة” و”مشاركة الجميع في صيانة البيت الكبير”. ورغم أن القرار لم يصبح محبوبًا، إلا أن ردود الفعل كانت أقل حدّة، والنقاشات التي دارت حوله اتسمت بنبرة أهدأ من المعتاد. أحد السكان علّق قائلاً: “ما زلت غير سعيد بالزيادة، لكنني على الأقل شعرت أن أحدًا يحاول أن يكلمني كإنسان، لا كرقم”.

التجربة كشفت أيضًا عن بُعد ثقافي أعمق. المدينة، التي عانت لسنوات من انقسام اجتماعي وتوترات سياسية محلية، وجدت في اللغة المشتركة مساحة وسطى. الشعر، بطبيعته غير القطعية، سمح بوجود أكثر من تأويل، وأكثر من شعور، دون فرض قراءة واحدة قسرية. حتى جلسات المجلس البلدي بدأت تُفتتح بمقاطع قصيرة يكتبها الشاعر، تلخّص مزاج المدينة بدل جدول الأعمال.

ربما الأهم في هذه الخطوة أنها طرحت سؤالًا أوسع: هل يمكن للسياسة أن تتواصل دون أن تكون عدائية؟ وهل يمكن للغة أن تكون أداة تهدئة بدل أن تكون وسيلة سيطرة؟ المدينة لم تدّعِ أنها وجدت الحل، لكنها اختارت أن تجرّب، في زمن بات فيه الصراخ أعلى من المعنى. وفي عالم يزداد قسوة، قد يكون تعيين شاعر خطوة صغيرة، لكنها جريئة، لإعادة الاعتبار للكلمة قبل القرار.

خبر عاجل