.jpg)
في خطوة أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط الاجتماعية والقانونية، قررت مدينة فرض غرامة مالية على الأشخاص الذين يستخدمون هواتفهم أثناء المشي في الشوارع والأماكن العامة. القرار لا يستهدف فقط من يعبرون الطريق وهم منشغلون بالشاشة، بل كل من يمشي لفترات طويلة دون انتباه لما حوله، في ما وصفته البلدية بـ“الشرود الرقمي الخطير”.
السلطات المحلية برّرت القرار بأن المدينة لم تعد تعاني فقط من ازدحام السير، بل من ازدحام ذهني جماعي. المارة يسيرون ورؤوسهم منحنية، يصطدمون ببعضهم، يتجاهلون الإشارات، ويتحولون إلى عناصر تعطيل في الفضاء العام. حوادث السقوط، الاصطدام، وحتى الدهس شهدت ارتفاعًا ملحوظًا، وكان القاسم المشترك بينها هو الهاتف المحمول.
لكن اللافت أن مبررات القرار لم تكن أمنية فقط. في نص القانون، أشارت البلدية إلى أن “الاستخدام المفرط للهواتف أثناء المشي يضر بالحياة الاجتماعية، ويحوّل المدينة إلى مساحة صامتة بلا تفاعل”. وبحسب المسؤولين، فإن الهدف ليس معاقبة الناس، بل إعادة الاعتبار لفكرة الحضور والانتباه، وإجبار الفرد على أن يكون جزءًا واعيًا من المكان الذي يتحرك فيه.
الغرامة نفسها ليست مرتفعة، لكنها رمزية بما يكفي لإحداث رد فعل. الشرطي أو المراقب الحضري لا يحرر المخالفة فورًا، بل يوجه تنبيهًا أولًا، وفي حال التكرار تُفرض الغرامة. اللافت أن القانون لا يُطبّق في كل مكان، بل في مناطق محددة تشهد كثافة مشاة عالية، مثل المراكز التجارية، الساحات العامة، ومحيط المدارس.
ردود الفعل كانت متباينة. فئة اعتبرت القرار تدخلًا غير مقبول في الحرية الشخصية، متسائلة: “هل ستخبرنا البلدية لاحقًا كيف ننظر، وكيف نفكر؟”. آخرون رأوا فيه خطوة ضرورية تأخرت كثيرًا، خاصة في ظل تحول الهاتف إلى امتداد دائم للجسد، يرافق الإنسان حتى في أبسط حركاته.
على أرض الواقع، بدأت ملامح التغيير تظهر تدريجيًا. المشاة أصبحوا أكثر انتباهًا، وتراجعت مشاهد السير الجماعي الصامت، حيث يتحرك الجميع دون تواصل. بعض المقاهي لاحظت أن الناس باتوا يتوقفون أكثر للنظر حولهم، لا لإلقاء نظرة على الشاشة. أحد السكان علّق بسخرية: “نسيت كم تبدو المدينة جميلة عندما ترفع رأسك”.
الخبراء في علم الاجتماع اعتبروا القرار تجربة جريئة، حتى لو كانت صادمة. فبدل إطلاق حملات توعوية لا يقرأها أحد، اختارت المدينة لغة القانون لإيصال رسالة ثقافية. الرسالة ليست “اترك هاتفك”، بل “كن حاضرًا”. في زمن أصبح فيه الانتباه سلعة نادرة، تحاول المدينة استعادته بالقوة الناعمة… أو بالغرامة.
قد لا تتحول هذه السياسة إلى نموذج عالمي، وقد تُلغى تحت ضغط الرأي العام، لكنها نجحت بالفعل في طرح سؤال غير مريح: هل ما زلنا نعيش المدن، أم نمرّ فيها فقط ونحن غائبون عنها؟
