
لم يعد خطاب “الحزب” مجرّد اختلاف سياسي، ولا مجرّد تبرير لسلاح خارج الدولة، بل بات إعلانًا صريحًا عن مشروع يناقض فكرة لبنان نفسها. خطاب الأمين العام للحزب، نعيم قاسم، لم يكن دفاعًا عن سيادة، بل تهديدًا مباشرًا لها، ولم يكن حماية للسلم الأهلي، بل استخدامًا له كرهينة في مواجهة أي محاولة لإعادة الاعتبار للدولة.
حين يدّعي رجل سياسة أنّ “الحق حيث يكون القرار الإلهي”، فهو لا يمارس إيمانًا، بل يصادر السياسة. وحين يُستَخدم الدين لإلغاء النقاش والمحاسبة، نكون أمام أخطر أشكال الاستبداد: استبدادٌ يلبس عباءة القداسة ليمنع قيام الدولة ويشرعن الوصاية.
خطورة خطاب نعيم قاسم لا تكمن في حدّته، بل في سعيه المنهجي لتكريس منطق يُبقي الدولة معلّقة والسلاح فوقها. فهو يعكس المعادلة عمدًا: يجعل من غياب الدولة مبرّرًا لبقاء السلاح، ومن استمرار الاحتلال ذريعة دائمة لتعليق السيادة، ومن السلم الأهلي خطًا أحمر يُستخدم للتهديد لا للحماية. هذه ليست مقاومة، بل إدارة خوف.
الخطير أنّ هذا الخطاب يصدر عن حزب شريك في الحكومة ومشارك في الحكم، لا عن معارضة خارج الدولة. أي منطق هذا الذي يسمح لمن يجلس في السلطة أن يهاجم مؤسساتها، وأن يلوّح بالسلاح في وجه حكومة هو جزء منها؟ من يشارك في الحكم لا يهدّد الدولة، ومن يملك وزراء لا يلوّح بالسلم الأهلي، ومن يدّعي حماية الدولة لا يطعنها من الداخل.
الدولة ليست رهينة أحد: إمّا التزام كامل بقواعدها من داخل الحكومة، وإمّا خروج صريح منها بلا تهديد ولا ابتزاز.
والأمر الأكثر وقاحة أنّ هذا الخطاب يطعن في أساس الدولة من خلال التطاول على وزير الخارجية اللبناني، يوسف رجي، ليس لأنه أخطأ، بل لأنه تجرّأ على التذكير بأنّ للبنان سياسة خارجية، وأنّ الدولة ليست مكتبًا ملحقًا بمحور إقليمي، ولا تُدار وفق حسابات طهران. التطاول على وزير الخارجية ليس إساءة شخصية، بل اعتداء مباشر على موقع لبنان الرسمي في العالم، ومحاولة لإسكات أي صوت سيادي داخل الحكومة.
من لا يحتمل وزيرًا يعبّر عن سياسة الدولة، لا يؤمن بالشراكة الوطنية. ومن يعتبر أنّ “إسكاته” خيار مشروع، يعلن صراحة أنّه لا يعترف بالدولة إلا بقدر خضوعها.
أما الحديث عن “صفر سيادة وطنية”، فهو اعتراف لا اتهام. نعم، السيادة منقوصة، لكن سببها واضح: لا دولة تقوم بقرار حرب خارج مؤسساتها، ولا سيادة تُبنى بوجود جيشين، ولا وطن يُدار بعقيدة “نحن أو الفوضى”. السلاح الذي لا يخضع للدولة لا يحميها، بل يمنع قيامها.
الأخطر من كل ذلك هو الارتهان العلني لإيران. حين يُعلن حزب لبناني دعمه “شعبًا وقيادة وثورة” لدولة أخرى، ويضع نفسه في خندق مشروعها الإقليمي، يكون قد خرج نهائيًا من منطق الدولة اللبنانية. فلبنان ليس ساحة جهاد أممي، ولا قاعدة متقدمة لمواجهة الغرب، ولا ورقة تفاوض في صراع دولي. لبنان وطن، ومن يربطه بمصير محور يجرّه إلى العزلة والانهيار.
المفارقة أنّ من يتهم الآخرين بالعمالة، يعلن تبعيته بلا مواربة. ومن يرفع شعار “نصرة المستضعفين”، يمارس الاستقواء على الداخل. ومن يدّعي حماية السلم الأهلي، يلوّح به سلاحًا سياسيًا كلما طُرح سؤال الدولة.
المقاومة، إن لم تخضع لقرار وطني جامع، تتحوّل من فعل تحرّر إلى أداة وصاية. والسيادة، إن لم تكن كاملة وغير قابلة للتجزئة، تصبح شعارًا فارغًا. والدولة، إن لم تُحمَ من الداخل، لا يحميها سلاح ولا خطاب.
لقد آن الأوان لكسر هذه السردية. لبنان لا يُبنى بالتهديد، ولا يُدار بالقداسة، ولا يُحكم بالنيابة عن شعبه. من يريد الدفاع عن الوطن فليبدأ بالاعتراف بالدولة، ومن يرفض حصر السلاح فليتحمّل مسؤولية تعطيل السيادة، ومن يهاجم وزير الخارجية لأنه قال “لبنان أولًا” فليعترف أنه ضدّ لبنان الدولة.
هذه ليست معركة أشخاص، بل معركة وجود. إمّا دولة بقرار واحد وسلاح واحد وسياسة واحدة، وإمّا استمرار الانحدار تحت وصاية لا تعترف بلبنان إلا كساحة. واللبنانيون، مهما طال الصمت، يعرفون أنّ الأوطان لا تُبنى بالخوف، بل بالسيادة.