
حملة شعواء يشنّها نوّاب “الحزب” ضدّ وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي، على إثر مقابلة متلفزة فنّد خلالها ما ورد في اتفاق “الترتيبات الخاصة بوقف الأعمال العدائية”، الذي وافق عليه “الحزب” نفسه في 27 تشرين الثاني من العام 2024. وهي حملة تندرج في سياق محاولة يائسة للتنصّل من الالتزامات التي تتمنّع الذراع الإيرانية عن تنفيذها، وأهمّها تسليم السلاح وتفكيك البنية العسكرية والأمنية بشكل نهائي وكامل وعلى جميع الأراضي اللبنانية.
فهل خرج وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي عن الإجماع الوزاري؟ وهل خالف سياسة العهد؟ عناوين طرحها نوّاب “الحزب”، ولا بدّ من الردّ عليها عبر العودة إلى النصوص المرجعية للشرعية اللبنانية والدولية.
طالب النائب علي عمّار بموقفٍ حاسم وواضح من قبل رئيسَي الجمهورية والحكومة، كما دعا الوزير رجّي إلى إعادة قراءة بنود الاتفاق المذكور بتمعّن. ويبدو أنّه فات النائب عمّار أنّ مقدّمة الاتفاق تنصّ على “نزع سلاح جميع الجماعات المسلّحة في لبنان”، وهي الجماعات التي تحدّث عنها الرئيس جوزيف عون في مقابلته الأخيرة، معتبرًا أنّ سلاحها انتهت مهمّته.
وفي حديثه عن “المواطنة”، يبدو أنّ النائب إيهاب حمادة يجهل أنّ أولى ركائز المواطنة هو الالتزام بدستور البلاد، الذي نصّ على أنّه “لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”، وعلى “حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة اللبنانية”، وهو ما يخالفه “الحزب” منذ أكثر من خمسةٍ وثلاثين عامًا.
وتأبّط النائب علي فيّاض اتّهامه المعلّب بتحميل وزير الخارجية مسؤولية التآمر على الأسرى اللبنانيين وعلى اللبنانيين، ظنًّا منه أنّ الناس لا تفقه حقيقة مسؤولية حزبه المباشرة في تمديد معاناة اللبنانيين عبر تمرّده على قرارات الدولة اللبنانية وشروط اتفاق الإذعان، الذي ينصّ بشكل واضح وصريح على وجوب تخلّيه الكامل والشامل عن مشروعه المسلّح، وأنّه لا حلّ لأي أزمة لبنانية، من الأسرى إلى الكهرباء، إلّا بتخلّص لبنان من ازدواجية السلاح.
وحاول النائب رائد برو أن يُسابق زملاءه في كيل الاتهامات الباطلة، فاتهم الوزير رجّي بممارسة فعل خيانة للوطن، وكأنّه يجهل أنّ خيانة الوطن مارسها حزبه عندما انفرد بجرّ لبنان بأكمله إلى حرب عبثية، من دون أن يسأل لا الدولة ولا الشعب عن موقفهما. فوزير الخارجية لا يملك “دويلة” كما ادّعى برو، بل إنّ حزبه هو المتمرّد على السلطة الشرعية، رابطًا لبنان بمشروع خارجي تخريبي. وقد قال رئيس الجمهورية: “تعب لبنان من سياسة المحاور ودفع ثمنًا كبيرًا نتيجة هذه السياسة”.
وبمعجمٍ غريب عن نهج “الحزب”، انتقى النائب حسن فضل الله مفردة “العقل” ليتّهم الوزير رجّي بقوله إنّ “هناك في عقول البعض من يريد أن يعود بالتاريخ إلى الوراء”، وأنّ هناك من يراهن على “اللعب بمصير لبنان”. ويتمثّل الردّ الأفضل على فضل الله بالعودة إلى دعوة الرئيس جوزيف عون “الحزب” إلى التحلّي بـ”العقلانية”. فاللعب بمصير لبنان هو ما ارتكبه حزب الله على مدى عقود.
واسترسل وزير العمل محمد حيدر في اعتبار أنّ مواقف الوزير رجّي لا تُعبّر عن سياسة الحكومة اللبنانية، فهل يتذكّر أنّ حبر البيان الوزاري للحكومة التي ينتمي إليها لم يجفّ بعد؟ وهو ينصّ على التزام الحكومة “بسط سيادة الدولة على جميع أراضيها بقواها الذاتية حصرًا”، وعلى “واجب الدولة في احتكار حمل السلاح”، خلافًا لما أعلنه أمين عام “الحزب” الشيخ نعيم قاسم في إطلالته الأخيرة: “السلاح في أيدينا… نحن مقاومة وسنبقى مقاومة”.
وما هو موقف حيدر وزميله في تمثيل “الحزب” وزاريًا، وزير الصحة ركان ناصرالدين، من قول أمين عام حزبهم إنّه “مَن يقول إنّ الاتفاق هو مرحلة أولى وسنذهب إلى مرحلة ثانية، نقول له: لا توجد مراحل، ولم يبقَ ما يُسمّى مرحلة ثانية”؟ فهل يتبرّآن من التزامهما بالبيان الوزاري وقرارات حكومتهما بتنفيذ قرار حصر السلاح، وقد أعلن رئيس الحكومة نواف سلام مؤخرًا أنّ “لبنان عازم على تنفيذ المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح بيد الدولة التي أقرتها الحكومة العام الماضي”؟
إنّ جميع النصوص المرجعية الرسمية، المحلية والدولية، من الدستور اللبناني واتفاق الطائف، وخطاب القسم والبيان الوزاري، وقرارات الحكومة اللبنانية، والقرارات الدولية 1559 و1680 و1701، إلى اتفاق وقف إطلاق النار، تنصّ على مسلّمة واحدة: سيادة الدولة ووحدة قرارها وسلطتها. والعائق الأوّل والأخير أمام هذه المسلّمة الدستورية والشرعية هو تمرّد “الحزب” على دستور الدولة، ومواقف العهد، وسياسة الحكومة، وقرار الغالبية الساحقة من الشعب اللبناني، وهو ما يُجاهر به رئيسا الجمهورية والحكومة ووزير الخارجية.
وليست النصوص وحدها ما يفضح أكاذيب “الحزب”، بل أيضًا المصير الذي آلت إليه سرديّاتهم وشعاراتهم، والتي سقطت في الميدان وأسقطت معها البلاد في الموت والخراب والدمار. أمّا حملاتهم التي لا تمتّ إلى العقل ولا إلى المنطق بصلة، فلن تردع ولن تمنع الوزير رجّي، ولا معظم اللبنانيين، من مواصلة المواجهة حتى تحرير الحقائق من أقنعة التزوير والتمييع والتلوين.
