#dfp #adsense

معالجة المصابين بوهم القوّة

حجم الخط

منذ وقوع عملية “طوفان الأقصى” من غزة في ٧ تشرين الأول ٢٠٢٣، وغداتها “حرب الإسناد” من لبنان، كتبتُ أكثر من مقال عن بداية انتهاء عصر الميليشيات المسلّحة في الدول العربية الأربع التي تباهت إيران بالسيطرة عليها، العراق اليمن سوريا ولبنان، ليحلّ محلّه عصر الدول الوطنية بقياداتها الشرعية، مع نقلة نوعيّة في صِيَغ حكم هذه الدول نحو تكريس خصوصيات المكوّنات الطائفية والمذهبية والإتنية، وبدون ترسيم خرائط جديدة.

وبعد سنتين ونيّف على الحربَين، يسلك هذا التوجّه طريقه بوضوح وثبات تؤكّدهما التطورات الأخيرة في الشمال والشرق السوريَّين بعد تجربَتَي السويداء والساحل، وكذلك ما يجري في اليمن والعراق، وفي لبنان أيضاً، إضافة إلى الحل المرسوم لقطاع غزة ومصير حركتَي “حماس” والجهاد الإسلامي”.

ولعلّ لبنان هو النموذج الأكثر وضوحاّ وحسماً في مسار هذا الانتقال البنيوي من الحكم الميليشوي إلى الحكم الدولتي، رغم كلّ مظاهر التمنّع وظواهر “الممانعة” التي يجسّدها ” الحزب” وبقايا المجموعات المسلّحة الدائرة في فلكه، بل في فلك المرجعية الإيرانية الراعية لعصر الميليشيات.

وليست الحملة الشعواء والمقذعة التي يشنّها “الحزب” على رئيس الجمهورية جوزف عون ووزير الخارجية يوسف رجّي، وقبلهما على رئيس الحكومة نوّاف سلام والقوى السياسية السيادية وكل مَن دعا إلى “حصر السلاح”، سوى تعبير عن الضائقة التي يعانيها والعزلة الداخلية التي أوقع نفسه فيها، تماماً كعزلة مرجعيته في طهران إقليمياً ودولياً.

وكما أن إيران ليست مستهدفة كدولة قائمة بذاتها، بل كخطر نووي وباليستي، وكأذرع تضرب الاستقرار في المنطقة، كذلك هو “الحزب” ليس مستهدفاً كطائفة أو كمكوّن سياسي إجتماعي، بل كمنظّمة مسلّحة خارجة على سيادة الدولة، ومتمرّدة على القرارات الشرعية، ومستدرِجة للحروب والخراب على غرار ما ارتكبت غير مرة، خصوصاً في حربَي ٢٠٠٦ و ٢٠٢٤.

والواضح أنه لم يفقد فقط شعار المقاومة وحجّتها بمجرّد إخلائه الميدان في الجنوب، بل فقد آخر الأوراق السياسية والطائفية التي كان يستر بها عوراته من خلال القول إن بيئات لبنانية متعددة تغطّي سلاحه ووظيفته، ولم يعًد يسند ظهره إلّا على وليّ سلاحه وماله وعقيدته، النظام الإيراني، المهدّد بدوره بالسقوط، أو على الأقل بالتقليم والتحجيم.

وإذا كانت قياداته تدّعي العقلانية ردّاً على رئيس الجمهورية الذي دعاها إلى التعقّل بعد انتهاء دور سلاحها، فإن الخيار الوحيد المتاح أمامها هو تسليم السلاح، والانضواء تحت حماية الدولة ورعايتها.

إن التزام العقلانية ليس مجرد عنوان أو شعار، بل تقدير للحقائق والوقائع وإدراك نقاط القوة والضعف.

ومثير للشفقة مًن يظنّ أو يتوهّم أن ضعفه قوّة، فيستدعي العلاج العاجل لاستئصال هذا الوهم المميت.

خبر عاجل