#adsense

حين يتحوّل الخوف إلى خطاب

حجم الخط

التصعيد اللهجي الذي يعتمده “الحزب” في هذه المرحلة لا يعكس فائض قوّة، بل مأزقًا سياسيًا. فالقوى الواثقة بموقعها لا تحتاج إلى رفع الصوت ولا إلى التهديد المستمر. حين يصبح الخطاب إنذاريًا، فهذا يعني أن القدرة على فرض المعادلة لم تعد مضمونة، وأن الخوف بدأ يطلب لنفسه لغة.

هذا الخوف ليس تفصيلاً عابرًا، بل نتاج مسارٍ كامل. البيئة الإقليمية التي وفّرت لـ”الحزب” هامش حركة واسعًا لم تعد على حالها، والداخل اللبناني بات أقل قابلية للضبط عبر التخويف أو المعادلات المعلّقة. السلاح الذي قُدِّم لسنوات كعنصر ردع تحوّل عبئًا سياسيًا: على الدولة، وعلى المجتمع، وعلى الحزب نفسه. ومع تآكل الإقناع، يُستدعى الخطاب العالي كتعويض.

غير أن الأخطر من التصعيد بحدّ ذاته هو الخلط المتعمّد بين خوف “الحزب” وخوف الطائفة الشيعية. هنا تُستخدم اللغة لا للشرح، بل للمصادرة.

الطائفة الشيعية، كغيرها من المكوّنات اللبنانية، تخاف من الفوضى، من الانهيار، من غياب الدولة، ومن أن تُستنزف في صراعات لا قرار لها فيها. هذا خوف مشروع، وجودي، نابع من تجربة تاريخية قاسية في بلدٍ انهارت فيه المؤسسات وتبخّرت الضمانات. هو خوف من الفوضى لا من الدولة، ومن الانهيار لا من السيادة.

أما خوف “الحزب”، فهو خوف سلطوي. خوف من فقدان الاحتكار، من تراجع السيطرة، ومن أن يُطرح السؤال المحظور: من يقرّر؟ وبأي حق؟ ولماذا؟ هو خوف من لحظة محاسبة، لا من خطر خارجي. خوف من أن تتحوّل الطائفة إلى مجتمع سياسي حيّ، متنوّع الخيارات، لا إلى جمهور مُصادَر القرار.

من هنا تأتي الخطيئة الكبرى: محاولة اختصار الشيعة بـ”الحزب”، أو بخطابه، أو بقناته الإعلامية. هذا الاختصار ليس حماية للطائفة، بل مصادرة لها. فالطائفة ليست تنظيمًا سياسيًا، ولا ملكًا خاصًا، ولا كتلة صمّاء. وكل سعي لفرض هذا المنطق يعزل الشيعة عن الدولة بدل أن يدمجهم فيها، ويضعهم في مواجهة وطنهم بدل أن تكون الدولة مظلّتهم.

رفع النبرة اليوم لا يعبّر عن قوّة موقف، بل عن ضيق الخيارات. وحين يُستبدل الإقناع بالتهويل، فهذا دليل هشاشة ادّعاء التمثيل. وحين يُصوَّر أي اعتراض شيعي على السلاح كخيانة، فالمشكلة ليست في المعترضين، بل في من لم يعد يحتمل النقاش.

الطوائف لا تُحمى بالصوت العالي، بل بالدولة. ولا تُصان بالاحتكار، بل بالمشاركة. وأي مشروع يدّعي حماية جماعة عبر تعطيل الدولة إنما يحمّلها كلفة سياسية وأخلاقية لا طاقة لها عليها.

الخوف الذي يُدار اليوم ليس خوفًا على وطن، بل خوف يهدّد الوطن. فالمشاريع التي تحتاج إلى التخويف كي تبقى، لا تحمي أحدًا. وحين يُستبدل الإقناع بالتهديد، والتمثيل بالاحتكار، والدولة بالسلاح، نكون أمام مشروع مأزوم لا أمام قوة. لا طائفة تُختصر بحزب، ولا شرعية تقوم على الخوف، ولا مستقبل يُبنى خارج الدولة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل