#adsense

أنطوانيت شاهين.. وصرخ يسوع أنا عطشان

حجم الخط

شاهينشاهينشاهين

سنواتنا اللبنانية ما بين أعوام 1990 و2005، وقعت أسيرة داخل زنزانة مساحتها 10452 كلم. أتباع أسديون ابتكروا دولة أسيديَّة مستوحاة القوانين “السَّاميَّة ” والمناهج “الرَّاقيَّة” من جامعات حقوقيَّة يديرها “تدمريون” و”مزِّيون” و”صيدناويون”… قصور حكم ثلاثة لم تكن آنذاك إلاَّ مكاتب قائمقاميَّة لثلاثة قائمقامين، وحكَّام لم يكونوا إلاَّ حكّامًا مساعدين لمباريات توزيع الكراسي النيَّابيَّة منها والوزارية ثم الإدارية، والصناديق ككرة القدم عليها أن تدخل الشِّباك الرابحة، تلك التي  تكسب اللاعبين كأس البطولة، ولكلِّ فريق “كابتنه” وحارس مرماه…

وحده الآتي من أرض رماح الدهور في أشيار أكتاف قاديشا، ذاك الحامل علامات أزمنة بلاّ وقنات ومعابر صنين الزَّحلية، وحده الموسوم بسيف مار شليطا المنذور لدماء خمسة عشرة ألف من رفاق عقله وقلبه ودمه ودمعه، هو وحده من رفض ركوب قطار سفر برلك الرئاسي والنيابي والوزاري، فهاج عليه أحمد باشا الجزار القطري الشقيق وماج، فتحوَّل هو ورفاقه إلى طرائد اصطيادها بالرَّوايات الاتَّهامية والمواد الجرميَّة والضمائر الجهنميَّة!!

 

شهيدة سيدة النَّجاة الثانية عشرة

من له حق نسيان وتناسي فجر الأثنين 21 آذار 1994 يوم ابتدأ فصل الربيع وعيد الأمّ بصبيَّة كفرعبيدانيَّة بلغت ربيع أعوامها العشرين، مختَطفةً من بين ذراعي أمها صبيحة يوم عيد الأمهات… هجَّانة الحاكمين بأمر أولياء ارتزاقهم، اقتحموا بيت الوالد لثمانية مقاومات ومقاومين لبنانيين يوسف شاهين ابن مملكة الشهداء كفرعبيدا البترونية المتاخمة لحدود مستعمرة كريات شمونة… شابة يانعة يافعة تمَّ اختطافها رهينة حتى تسليم أو استسلام أخيها المهجَّر المهاجر إلى شبه القارة الأسترالية، مطارَدًا مطلوبًا للآنسة عدالة، بتهمة اشتراكه مع رفاقه “المجرمين” في منعهم مرور طريق فلسطين من ساحة كفرعبيدا ومعظم ساحات الوطن اللبناني… كما كان متَّهمًا بتورُّطه مع المتورٍّطين في رفضهم وحرقهم إعاشات خيمٍ قدَّمها محسنون عروبيون وغربيون كي تتنعَّم الأمَّة اللبنانية بصفة أمَّة المخيمات !!

 

نجمة الصُّبح والصَّلب

صبيحة 21 أذار 1994 أي عيدٍ للأمهات قد عايد هاتين الأمَّين المريمين، مريم أم يسوع المحكوم بالصَّلب حتى الموت بتهمة التَّجديف على الله وتهديده بهدم الهيكل وبنائه في ثلاثة أيام، ومريم أم الصُّغرى بين بناتها وأبنائها الثمانية، هي البنيَّة الفتيَّة التي أقسم القضاء والقدر بشبابهما أنَّها تدرَّبت على تفخيخ الكنائس ونسفها منذ كانت جنينًا في حشا والدتها… المعلِّم الرب متَّهم بهدم الهيكل والتَّلميذة أنطوانيت متَّهمة بتفجير الكنيسة وليس من تلميذة أفضل من معلِّمها!

ذلك الأول من أيام الربيع، وذاك العيد من أعياد الأمهات، كان أشاوس وحدة المسار والمصير مستعدين لإطلاق رصاصهم الحرَّاق حتَّى على صدى الجازع ليلة الأسرار: “يا أبتِ أجز عني هذه الكأس”!

بين البيت الوالدي في كفرعبيدا وفنادق وزارة اليرزة السياحية، كان على إبنة العشرين براءة، أن تنتقل بالروح والرؤيا من فجر الإثنين 21 أذار 1994 إلى فجر الثلاثاء 6 تموز 1976، رفيقة مغوارة لأربعة عشرة مغوارًا، انطلقوا من ساحة مار سركيس وباخوس كفرعبيدا كي يجترحوا أعجوبة تسلُّقهم نتوءات جبل رأس الشَّقعة، مرَّة بالأظافر ومرَّة بالحبال، مفتدين منقذين مناطقَ بين البترون وأبعد من جونية على وقع الصَّرخة الشَّفاعة: يا نورية !

 

بادري بيّو.. جان شاهين

غداة القداس المنسوف على مذبح كنيسة سيدة النَّجاة الزوق الأحد 27 شباط 1994، تشاور متعهِّدو عدالة نزيهة وشريفة، ثم قرَّروا طلب النصيحة والمشورة من أساتذة الحقوق في محكمة عنجر الدولية في مَن يطوَّعونه لرئاسة الادعاء العام، حائزًا على رتبة مطواعٍ درجة أول، يعرف مِن أين تؤكل كتف رئيس حزب “الآمر النَّاهي” وأكتاف رفاقه المتورِّطين “بفخت طبقة الأوزون”، فنصحهم “المفوَّض الشَّامي فنجر” باستدعاء نيافة ذلك المنيف وتكليفه الادِّعاء على كلِّ من يظهره “الوحي” بالتخطيط والتنفيذ والاشتراك، وأمَّا الوقائع والأدلَّة والإثباتات فهي مشحونة بشاحنة مبرَّدة مخصَّصة أصلاً لنقل جميع أنواع المعلَّبات. نيافة المدّعي العام المعيَّن والمعروف “بمنيف الموتورولا” وفور شروعه بتركيب البازل الاتهامي، وترتيب حلقات المسلسل الجرمي، جدَّ واجتهد بحثًا عن أسماءٍ أشبه بالكلمات الضّائعة في خانة الكلمات المتقاطعة، فتمَّ مده بأسماء موضَّبة توضيبًا غبّ الطَّلب، كان أكثرها تداولاً اسم “جان شاهين” المعروف بأسد…

ولكن، برزت إشكالية فاقعة فاضحة وعصيَّة، هي أنَّ صاحب الاسم المطلوب يقيم منذ سنوات في أستراليا مقصد الهجرة اللبنانية ولم يغادرها مرَّة واحدة بشهادة واضحة صريحة مثبتة من وزارة المهاجرين في الدولة الأسترالية البعيدة ملايين الأميال عن المملكة العنجرية  العامرة… وهبط الوحي المبرمَج على عطوفة المدعي العام فأتى وحيه بالحل المطلوب المرغوب: لماذا لا نضمِّن ملف جان شاهين بالسرِّ الذي لا يعلم به إلاَّ محقِّقو كوكب المريخ، والسَّر برهان لا لبس فيه يجزم بأنَّ البادري جان شاهين يتمتَّع بذات إحدى أهم مواهب “بادري بيّو” المعروف بتواجده وحضوره في عدة أماكن وبلدان بعيدة وفي ذات اللحظة والدقيقة والساعة واليوم !

صبيحة الأحد 27 شباط 1994، تواجد “بادري جان شاهين” وفي ذات الوقت والتَّوقيت، بين ثلاثة مطارح تفصل ما بينها أربعة وعشرون ساعة طيران فقط لا غير:

مكانه الأول، منزله في أستراليا بشهادة رسمية موثَّقة جليَّة لا تقبل جدلاً أو شكًا، لكنها ليست مختومة بختم عضّومي! ثاني الأمكنة كانت أوتوستراد زوق مكايل حيث أفاد دسَّاسون، لهم أذن الخلد وعين باشق بوصواي، أنهم شاهدوا جان شاهين متنكرًا بملابس السندباد الطائر يكزدر، بين سينما إيسباس دو ميل وسينما البرزيدانس القديمة، وتنصَّتوا عليه يقول إنه قد جاء ليصفيَّ خصومة عقارية قديمة بينه وبين قندلفت كنيسة سيدة النجاة!

أما الظهور الثالث لبادري جان، فقد تم ليل 26 ـ 27 شباط 1994، لحظات تراءى لنيافة المدعي العام في عز دين بصرة مناماته!!!

 

مزامير العطشى

خمس سنوات ونصف السَّنة وتلكَ العدالة نعشٌ جوّال يتنقَّل من مكاتب المحقِّقين إلى سراديب الزَّنازين. وأمَّا ذاك الضَّمير القضائي الغائب عن وعيه، لا بدَّ أنه ماضي كي يرتعش ارتعاشة مؤبَّدة أمام منبر العدل الأسمى، لحظة يتلو الديان الأقدس الأعظم حكمًا مبرمًا لا مراجعة فيه ولا استئناف.

نيِّف وخمس سنوات وأنت يا ابنة العشرين زهرة بيلسان سجينة عين ماءٍ لا ترينها إلاَّ في الكوابيس، أين منها جرَّة المرأة السَّامرية ورواء مائها متكابر على عطش يسوع حتى بشفَّةٍ تبرِّد الظمأ اللهّاب.

طوال أيام وليالي اشتهائكِ نقطة ماء واحدة لم يكن أمامك سبيل إليها إلاَّ من معين ترنيمك مزمور: “كما يشتاق الأيِّل إلى مجاري المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله. عطشت نفسي إلى الرب الإله الحيّ”!

في غياهب معتقلات يرزويَّة طُرِدت شرعة حقوق الأنسان منها طردًا عدائيًا، صبَّت مجاري الدماء الفائضة من الأجساد المسلوخة بإجرام الجلادين ومجالدهم الوحشيّة في مجاري موصولة عبر أزمنة محاكم التَّفتيش، في مصبِّ مستنقعات محكمة قيافا، تلك التي نهشت حمل الله الحامل خطايا العالم  خمس سنوات ونصف السنة وجسد ابن يوسف ومريم النّاصرة متَّحد كليًا بجسد ابنة يوسف ومريم كفرعبيدا، يتقاسمان معًا اللطم والجلد والرَّفس وشتَّى أصناف المهانة، وشهود الزور، كما يقتسمان سويَّة أقلام التَّوقيع على محاضر تحقيق مطبوخة في مطابخ الأحكام الجاهزة، يوقِّعان على ما لم يقرأن منه حرفًا واحدًا والعيون معصوبة، وما كتب فقد كتب!!

 

أنطوانيت يوسف شاهين

هي مريم الأمِّ، أمّكِ ومريمكِ، بأيَّة مجالدة نفسية وروحية وإيمانية عاشت ويوسفها، ما عاشه يوسف البار ومريمه الممتلئة صبرًا وسكينة، أيام هربا بالصبيَّ من وجه هيرودس سفّاح أطفال بيت لحم.

ما بين كفرعبيدا ووزارة الدفاع ذات ضراوة الشَّقاء والإنهاك في تلك المسافة المضنية، ما بين ناصرة الجَّليل ومصر الفراعنة. وأنتِ تطوين سنوات ربيعكَ الأول في حضارة “البلنكو” وفروعها، ومع كلِّ جلدة، ولطمة، وصفعة، ورفسة كان شبابك الغض يعيد كتابة تاريخ المسيحية الأولى، تلك التي نشأت داخل “الكاتكومب” الروماني، وتلك التي ألقيت إلى أشداق وحوش ملاعب الموت الإمبراطوريَّة.

عبقرية الأبالسة التي حاصرت وأنهكت شفيعكِ وسميَّكِ الأنبا أنطونيوس الكبير، هي ذاتها العبقرية التي عايشتيها واختبرتيها طوال سنوات إقامتكِ داخل “الكاتكومب” اللبناني.

يوم سطع وجه يسوع مطاردًا أراكين الظّلمة البرّانية ومحرِّرًا أبي الرهبان من امتحانات واستجوابات نوابغ جحيمٍ كالذي تخرَّج منه النَّابغة “عطية”، أرتفع صوت كوكب البريّة بهتاف: “أين أنت يا سيِّدي”؟

وأجابه أبن الله: “كنت هنا معك يا أنطونيوس أعاين جهادك”!

ومن فوق صليب البلنكو صرخ الأنبا فوزي الراسي بآخر كلماته: “يا عدرا”.

ومن فوق منابر جمعيات حقوق الإنسان الدولية، تهاتفكِ الحضارة الإنسانية جمعاء:

مباركة أنتِ بين المناضلات المؤمنات يا أنطوانيت شاهين!!!​

إقرأ ايضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل