
طالَعَنا بعضُهم، خلالَ طلّات عديدة، بتهديدٍ عالي النّبرة، لا يُفهَمُ منه إلّا رسالة غير مبَطَّنة مفادُها: إذا أصرّيتم على نزع سلاحِنا، فسنشنّ عليكم حربًا تقضي على أخضركم واليابس! ولمّا لم يكن عندَنا دولة، بالمعنى السّلطوي للكلمة، أي الهيبة، لا يسعنا سوى تدبيج ردّنا، وهذا حقٌّ لنا، على ترّهات المُتَشاوِسين، الذين ضَيّعوا البوصلة في مقاومة العدوّ، واستَبدلوها بالتّهويل على الآمنين في الدّاخل.
الحرب الأهليّة، في الواقع، تعني استعداد فئة مسلّحة على استباحة حياة النّاس الذين لا ذَنب لهم في التّداعيات الكارثيّة التي مُنِيَ بها المُستَقوون، وارتدّت خرابًا وضحايا وتراجعًا اقتصاديًّا وخَوفًا على المواطنين والبلاد. وعلى الرّغم من أنّ المستقوين يعتبرون الحرب الأهلية نوعًا من أنواع القَصاص، غير أنّ تلك البِدعة لا تنسحب على منطق التعاطي بين أبناء الوطن الواحد، وتعيدُنا الى مرحلة الانحطاط، والحياة البدائيّة ما قبل الدولة. إنّ عالَم اليوم، يقف من هذه المسألة موقفَين متباينَين: لقد اعتبر قسم من هذا العالَم أنّ العبور الى عصور التّنوير والدولة والقوانين المدنيّة، يفترض تَجاوُزَ هذا الشّكل العشائريّ الجائر، فتأبّطَت المجتمعات البشريّة الدّساتير وكتب القوانين، وأحالَت إليها البَتَّ في خلافات النّاس، أيًّا يكن موضوعها. في حين لم يترك الأصوليّون المتزمِّتون والعشائريّون قناعاتِهم بأنّ حرب القتل هي وحدها مواجهة مَنْ تُسَوِّلُ له نفسه الخروج عن الخضوع، وعن تَرداد مقولة “أَمرَك سيدنا”…
في مطلق الأحوال، إنّ تهديدَ بعض المُستقوين بالدعوة الى حرب أهليّة، ليس سوى عملية تَقاتلٍ أو قَتل مرفوضة، وحمّام دم تُزهَقُ فيه أرواح لا ذَنْب لها، وبريئة من أيّ جرم. إنّ بعض مجتمعنا “المُستَقوي”، يحسب الاختلافَ في الرأي، أو في الموقف السياسيّ، تهمة ينبري “المستَقوون” الى تهديد أصحاب هذا الرّأي المُخالِف، والحكم عليهم بِسَفك دمهم. والتّبرير جاهزٌ دائمًا، مثل الإساءة الى الطّائفة، أو ارتكاب الخيانة والعَمالة للعدوّ… وفي كلّ مرّة، يعمل المُهَدِّد المستقوي على التّمهيد بحَملات التّحريض، والشَّحن، وسَوق الاتّهامات من دون حجّة. والأَغرَب أنّ الدّاعين الى الحرب، لم يُفصِحوا، علانية، عن الأهداف التي يريدون تحقيقَها بواسطة هذه الحرب، في استغباء مكشوف للناس، عِلمًا أنّ أهدافَهم المُغرضة معروفة، تمامًا، مهما تَذاكوا في تمويه كلامهم حولها.
وبِقدر ما يدعو الحكماء من أهل الوطن الى الكَفّ عن هذه الهلوسات الدمويّة التي لن تُفضي إلّا الى شرخ في النّسيج الوطنيّ، فإنّ الدّعوة المُغرضة الى الحرب ستؤدّي، حتمًا، الى صدام دمويّ يُعرَف متى يبدأ، وليس من أحد يمكن له أن يستشرفَ متى ينتهي، وماذا ستكون عواقبُه، ولا سيّما أنّ الدولة، حتى السّاعة، مَنفيّة في خَبرِ كان!!!
أمّا المُصاب بداء الستالينيّة، والنّزوة الهِتلريّة، فعِلم السّيكولوجيا يُعلِن صراحةً، عن استحالة شفاء هذا المريض من الذَّهان الإجرامي. لكنّ هذا العلم يحاول أن يسترعي انتباه الذين يظنّون أنّ بمقدورهم إصدار الأمر بالتهديد والقتل، الا أنّ غصن الزيتون الوديع بإمكانه أن يُنتج زيت الشفاء، لكنّه في المقابل، يتحوّل الى سِنٍّ يَفقَأُ عَين مَنْ يُريد أن يَقصفَه…
فَحَذارِ!!!