.jpg)
برع بعض الساسة اللبنانيين في تحوير أو ابتداع المصطلحات الدّستوريّة طوال المرحلة السابقة. يرفض هؤلاء اليوم التصديق بأنّ هذه المرحلة قد انتهت إلى غير رجعة. وآخر إبداعاتهم محاولة الالتفاف على ما قاموا به في اتّفاق الـ27 تشرين الثاني من العام 2024، يومذاك تباهوا بأنّ “الأخ الأكبر”، كما يطيب لهم تسمية دولة الرئيس نبيه برّي، قام بالتوقيع على صكّ استسلامهم، ظنًّا منهم أنّهم سيستطيعون الالتفاف على هذا الاتّفاق والنّكث بتعهّداتهم والتنصّل من توقيعهم.
لهذه الغاية، وبعد الانتهاء من المرحلة الأولى، في جنوب الليطاني بحسب خطّة درع الوطن التي وضعها الجيش اللبناني، بدأ الحديث عن المرحلة الثانية التي تُعرَف بمرحلة ما بين النّهرين، أي الليطاني والأوّلي. كذلك إصرار فخامة رئيس الجمهوريّة، مواكَبًا من أكبر التكتّلات النيابيّة والقوى السياسيّة – السياديّة الداعمة على تنفيذ قرار الحكومة اللبنانية الصادر في جلسة الخامس من آب، القاضي بحصر السلاح، كلّ السلاح، غير الشرعي بيد القوى الشرعيّة. زد على ذلك كلّه، الموقف الأميركي المتصلّب باستكمال المسار التنظيفي للشرق الأوسط من كلّ ما زرعته الجمهوريّة الاسلاميّة للانتهاء من هذا الفكر. هذا كلّه دفع هؤلاء الساسة إلى ابتداع مصطلح ” الاحتواء”، علّهم ينجحون باستبدال مصطلح ” النّزع” المطلوب محلّيًا من أكثر من نصف الشعب اللبناني، ودوليًّا من معظم القوى الدّوليّة.
في تفسير بسيط لمصطلح الاحتواء، نستطيع الاستشراف من أنّ الطبقة السياسيّة التي كانت تدير البلد تريد أن تجمّد هذا السلاح تمهيداً للوصول إلى مرحلة التسييل. وهذا ما تخفيه وراء الأكمة. وما عنيته بمصطلح “التسييل” هو التنازل عن هذا السلاح مقابل مكاسب دستوريّة تترجَم لصالح المكوّن الحضاري الشيعي. ولعلّ هذا ما يفسّر التقيّة السياسيّة التي يمارسها دولة الرّئيس نبيه برّي، تمهيدًا إلى الوصول لهذا الهدف لأنّه، أيّ الرئيس برّي هو مالك المفتاح التشريعي.
هذا ما يجب أن يتنبّه منه العهد الجديد، والقوى السياسيّة. وهذا ما يحتّم رفض هذا التحوّل المصطلَحي. وبأقلّ تعديل قد يعني مصطلح الاحتواء ضمّ الجناح العسكري لمنظمة “الحزب” إلى المؤسّسات العسكريّة الشرعيّة. وبالطبع هذا الطرح مرفوض جملة وتفصيلًا. ولا تجوز المقارنة هنا مع ما حصل في مرحلة التسعينيّات، لأنّ عناصر هذه المنظّمة مؤدلجين ولا يمكن قبولهم في مؤسسات الدّولة. فهم حتّى الساعة يرفضون الاعتراف بهذه الدّولة التي ينتمون إليها هويّاتيًّا، وينتمون إلى الجمهوريّة الاسلاميّة إيديولوجيًّا. لا بل أبعد من ذلك، هذا الفكر الإيديولوجي قد أسقط مفهوم العقد الاجتماعي والحدود الجغرافيّة، مقابل الانتماء الديني – المذهبي لولاية الفقيه. والدّليل في ذلك أنّ “الحزب” تحوّل إلى منظمة عابرة للحدود اللبنانيّة حيث قاتل في البوسنة وصربيا، واليمن، وسوريا، والعراق وغيرها من البلدان. كما أنّ نشاطه في التّجارة غير الشرعيّة وصل إلى أميركا اللاتينيّة.
لذلك كلّه، الاحتواء مرفوض والنّزع هو المطلوب. ولا يمكن السكوت عن التلاعب الدستوري بالمصطلحات خدمة لأهداف لن تمرّ. وإن لم يدرك قادة البلاد اليوم أنّ هذا التلاعب لن يكون بحاجة إلى “وشاة” في دول القرار لعزلهم مرّة جديدة، فهذا يعني أنّ قطار المستقبل قد سبقهم كثيرًا، وفرصة نزع السلاح وليس احتواءه هي الفرصة الأخيرة لعودة الدولة دولة. مع العلم أنّ دول القرار لا تعمل يومًا مع دولة مثل لبنان على قاعدة الوشاية. فهذه المقاربات التي تصلح في زمن البعث لا تصلح إطلاقًا في زمن الذكاء الاصطناعي والتفوّق التكنولوجي.
فلا يمكن اليوم مقاربة العمل السياسي مع رجل كالرئيس الأميركي دونالد ترامب من باب الابتزاز اللطيف بهدف الوصول إلى المساومة لتحقيق النتيجة بالتقيّة الديبلوماسيّة. فثلاثية الابتزاز والمساومة والتقيّة لا يمكن أن تكون البديل عن خشبيّة الجيش والشعب والمقاومة لبناء دولة فاعلة في الوسط الدّولي. هذا ما سيحتّم على الولايات المتّحدة اللبنانيّة إخراج لبنان السياسي من المعادلة بالكامل. والخوف أن يتخطّى هذا الاخراج إلى إخراج جغرافيّ ليصبح لبنان بجغرافيّة جديدة تؤمن بالعمل السياسي النّدّيّ والمبدئيّ. فهل يتّعظ ساستنا، من هذا الواقع الجديد ليجعلوا من لبنان الجديد حجرًا للزاوية في المنطقة؟ أم بسبب غرقهم في الممايعة السياسيّة سيرمى لبنان في زاوية المنطقة؟