
.jpg)

جزين. ما عادت الحكاية سياحة وشلال تنهمر مياهه مثل النعمة على شغاف العين، ولا حتى عذراء تقف عند أبواب القضاء تحرس الرزق والعمر وكل ذاك الحلا، ولا بساتين ومواسم وأرض خير ودفق البركة، فثمة من اخترق منظومة الطبيعة الرائعة تلك، ومنذ سنين حوّل لبنان والقضاء تحديدًا، الى منظومة تفجيرات في عمق الجبال، ومخازن أسلحة وأراض محتلة مسلوبة منتهكة، ومنع الأهالي من استثمار أراضيهم وصارت جبال العنفوان كهوفًا للأسلحة المدمرة وأوكار الإرهاب تحت مسمى “المقاومة”.
لمَ كل هذه المقدمة التي يعرف تفاصيلها كل اللبنانيين وخصوصًا أهل جزين؟
منذ نحو الشهر، فجأة ومن دون سابق إنذار، قصفت إسرائيل منزلاً سكنيًا في بلدة أنان قضاء جزين ودمرته بالكامل، في منطقة ما كانت يومًا مستهدفة، وبعد أن كان وجّه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي تحذيرًا بالإخلاء للمنزل المذكور، انتشرت حال من الذعر والاستغراب لماذا تُقصف أنان؟ وتبين لاحقًا أن ملكية المنزل المدمّر تعود لفلسطيني من حركة حماس، باعه أحد أبناء البلدة منذ فترة، ولم يتبقَ من بلدة أنان المسيحية أساسًا، إلاّ بعض الأحياء الداخلية، وغالبية أراضيها الشاسعة ومشاعاتها، بيعت لأشخاص من خارج المنطقة، والأخطر في الموضوع، أنّ ملكية هذه الأراضي يتمّ تناقلها سريعًا لشراة جدد مجهولي الهوية من قبل أهل البلدة.
“بعد حرب تموز الـ2006 بدأ الحزب تحضير أرض الجنوب للمعركة القادمة وظن أنه قادر على الانتصار متناسيًا قدرات العدو التي تفوقه بكل شيء، وعلى مرّ السنين استولى الحزب على الأراضي في العمق الجنوبي ووضع اليد بالعنف والقوة على الأديرة والأراضي التابعة للبلدية والأملاك الخاصة والرهبانيات، ومنعنا من الدخول اليها بحجة أنها مناطق عسكرية، ولم يتصد لهم أحد يومذاك، بل على العكس تواطأت معهم السلطات ولبنان الرسمي تحديدًا وكل فاعليات المنطقة”، يقول عضو تكتل الجمهورية القوية النائب سعيد الأسمر.
على مدى سنين وسنين، لم تكن تمر ليلة الا وينام أهالي جزين على أصوات التفجيرات العميقة. كانت فتات الجبال المتكسرة تحت ضربات ميليشيا إيران، تُسمع في الوديان ويتردد صداها الى قلب الساحات والبيوت، ولا أحد يتجرأ ويعترض. كانت هيمنة “الحزب” واحتلاله للساحات وإرادة التحرر منهم، أقوى بكثير من تلك الأصوات الحرة التي كانت، وفي عز قوتهم وبطشهم، تطالبهم برفع اليد عن الأراضي، والكف عن تخريب جبال الرب ووديانه وتحويلها الى أوكار للسلاح والصواريخ. “أنشأوا حزامًا عسكريًا حول منطقة جزين وأسموه خط الدفاع الثاني للحزب، ابتداء من حارة صيدا وصولًا الى البقاع الغربي، تصوري، وكل قرى جزين لجهة الجنوب وصولًا الى ميدون، ومن بينهم أراضي للأديرة والرهبانيات، ومنعوا الآباء والأهالي من جني مواسمهم على الرغم من كل المناشدات، وسمحوا فقط لمن كانوا محظيين لديهم، وحتى الساعة ثمة الكثير من تلك المناطق ما زالت محظورة، ولا تزال الانفاق والدشم موجودة”، يقول الأسمر.
عندما قصف المبنى المذكور في أنان، دوت فضيحة شراء العقارات من قبل غريب ينتمي لحركة حماس، وبسرية خطيرة، والأدهى أن إسرائيل علمت بأمره قبل أهالي المنطقة! لماذا تباع الأراضي للغرباء عن البلاد وعن المنطقة؟!
“بيع الأراضي ليس جديدًا خصوصًا لجهة جبل الريحان الذي صارت تسكنه غالبية شيعية، وغيرها من المناطق في القضاء، بدأت قصة البيع تتعاظم بعد حرب تموز حيث بدأ الشيعة وبتشجيع من الحزب، يشترون الأراضي بأسعار مضاعفة ومنعوا الدخول اليها، وما حصل في أنان أعتبره قلة وعي من جهة وتواطؤ من جهة ثانية، إذ كيف يباع عقار لشخص لا نعرف أصوله” يقول الأسمر.
منذ سنين لم تسكت “القوات اللبنانية” عما يجري في قضاء جزين، لكن صراخها كان من دون صدى، لأنها كانت وحيدة مع بعض السياديين الذين يطالبون بتحرير جزين وجبالها من سطوة “الحزب”، وحتى اللحظة، ومع المطالبة الرسمية والدولية لتسليم سلاح الميليشيا للدولة، ما زال صراخ القوات والسياديين لا يجد صداه الكافي، فما الفارق الذي حققته “القوات اللبنانية” مع دخولها السلطة؟
“الفارق أن النواب والحكومة صاروا يتبنون خطاب القوات، والكل صار يصرخ مطالبًا برفع اليد عن تلك الأملاك. نحن نمشي في ذاك المسار بشكل منهجي وملح لكن ما يحصل أننا وحتى اللحظة، ما زلنا نُستهدف في مناطقنا لأن ثمة مراكز عسكرية للحزب ما زالت جاهزة وصواريخهم موجودة والأسوأ أنهم يؤكدون أنهم يعيدون بناء قدراتهم العسكرية ويتحدّون الدولة، والدولة لم تفرض بعد قوتها فوق وكما يجب وكما يحصل شمالي الليطاني”، يقول الأسمر، ويعتبر أن “القوات اللبنانية” وصلت الى المبتغى المنشود من خلال الحكومة، “لكن ننتظر التحرك الفعلي على الأرض تنفيذًا للقرارات الحكومة التي كنا جزءًا مباشرًا في التوصل اليها وإقرارها. إن ما نطالب به هو حق طبيعي ومكتسب لأهالي القضاء، وهو دخول المواطنين الى أراضيهم واستثمارها كما يشاؤون، فجزين عانت الكثير الكثير بسبب الحزب، وما زالت تحت الخطر المباشر لأنها خط نار وجبالها الوعرة محتلة من ترسانة الحزب. نحن مشتاقون لسطوة الدولة وقوتها الفعلية فوق”، يقول الأسمر.
إذًا، هي حرب في اتجاهين، أولًا التوقف عن بيع الأراضي عشوائيًا والتنبه الشديد لأهالي القضاء لمن يبيعون أرضهم، خصوصًا أن من يشتري يهدف أولًا الى تغيير ديمغرافي خطير في المنطقة، وثانيًا والأهم، وضع القضاء تحت سطوة الدولة والدولة فقط، عله يتوقف صدى أنين الجبال الوعرة والوديان المنسكبة في صخورها، وتعود كل تلك الوهاد الى جزين والى وعر جبال لبنان ولبنان فقط، من دون ميليشيا تتحدى طبيعة الرب لتفرض إيقاع الإرهاب.
