
لقد ذهل واستغرب واستهجن بعض من استمع الى ملحمة نعيم قاسم في الالتحاق والتبعية والانسياق والانزلاق عبر الشروع بالتضحية بنفسه وحزبه وبيئته وبقية اللبنانيين، كرمى لسلام وسلامة الجمهورية الإسلامية في إيران وذودًا عن أرضها ذات السيادة، عبر استعداده لإشعال الجبهة اللبنانية الهادئة الهانئة، المُطَمئِنة للعدو الإسرائيلي بقرار خامنئي، عبر عنه وكيله في لبنان الشيخ قاسم نفسه بقوله في 11 تشرين الثاني من العام 2025: “كل أمن المستوطنات كان موجودًا بشكل عادي وطبيعي، ولا تستطيع إسرائيل أن تدّعي بأن أمنها معرض للخطر… لا توجد مشكلة على أمن المستوطنات. حجة إسرائيل بالأمن المستقبلي، وهي الآن حققت أمنها وتعتدي، وواضح أن القدرات الموجودة عندها تحفظها لفترات طويلة من الزمن…”
كما صُدِمَ بعض من رأى قاسم يبدي استعداده للانتقام – الانتحاري ومن الأرض اللبنانية وعليها، في حال تم الاعتداء على إيران أو التعرض لمرشد الثورة الاسلامية علي خامنئي، بعد أن أحجم حزبه وقيادته الراحلة والحالية وما زالوا محجمين عن الانتقام لاستهداف آلاف العناصر والكوادر وقيادات الصفوف الأولى والثانية، والمدنيين وتدمير مراكزهم ودشمهم ومنازلهم وبنى قراهم التحتية…
في المقابل لم يتفاجأ الكثير من اللبنانيين والعرب والغربيين ممن قرأوا ونهلوا من مسيرة “الحزب” وعقيدته من ما قاله نعيم قاسم مدحًا وتبجيلًا وتبعية بوليه الإيراني، انطلاقًا من الحكمة العربية “لكل مقام مقال” والتي تُنسب للشاعر العباسي بشار بن برد، وتؤكد على ضرورة ملاءمة الحديث للسياق والمستمعين. وتعود القصة إلى انتقاد جلساء بشار لأبيات بسيطة قالها في جاريته “ربابة”، فردّ قائلاً إن هذا الكلام يناسب مقامه عندها، مرسخًا قاعدة أن بلاغة الكلام توافق حاله، إذ نظم بشار بن برد بيتين في جاريته “ربابة” قائلاً: “ربابة ربة البيت… تصب الخل في الزيت… لها عشر دجاجات… وديك حسن الصوت”.
استنكر الجلساء ركاكة الشعر مقارنة بشاعريته وبلاغته، فأجابهم: “هذا عند ربابة خير من قول امرئ القيس عندك: “قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزلِ”.
أضاف بشار: “لكل مقام مقال”، لتصبح حكمة خالدة تُعلم اختيار الكلمات المناسبة للوقت والمكان، فما يُجمّل في مقام قد يُقبح في آخر.
انطلاقًا من جدلية “المقال والمقام”، لن نكون بحاجة للغوص كثيرًا وعميقًا في العلاقة العامودية من الأسفل الى الأعلى والتي تربط “الحزب” بإيران، من الناحية العقائدية الإيمانية والسياسية والعسكرية والمعيشية والتربوية، والتي أملت على وكيل خامنئي في لبنان أن يبدي استعداده بالتضحية بنفسه وحزبه وبيئته وأبناء بلده في سبيل الأصيل في إيران، على حساب لبنان، والذي لطالما اعتبره المحور الإيراني وذراعه في لبنان “ساحة” لا وطن ولا كيان ولا دولة. وهنا نعود الى بيان التأسيس الذي اعتبر “أمة الحزب طليعتها في إيران، ودورها حماية المستضعفين في العالم، وأنهم معنيون بكل مسلمي العالم ومستعدون أن يهبوا دفاعًا عنهم ولو في الصين”… وهذا ما أكد عليه “السيد” ابراهيم أمين السيد في خطاب نقلته النهار في 17 آب من العام 1987: “الأساس أن نعرف كيف نتحرّك في الواقع المحلي أو الإقليمي والدولي في ضوء مصلحة الإسلام، وهنا تكمن الصعوبة… إن الأساس في لبنان بالنسبة إلينا أن يبقى لبنان ساحة وموقعًا للصراع مع إسرائيل. إن مصلحة الإسلام أن يكون لبنان كذلك، وحينئذ يتكوّن رأينا في المسائل الأخرى”، كما أكد عليه نعيم قاسم في مبايعته لوليه في السادس والعشرين من كانون الثاني من العام 2026 “بأننا لسنا حياديين إذا تعرّضت إيران أو الولي الفقيه”… مخالفًا كل ما وافق عليه “الحزب” من دستور وبيانات وقرارات واتفاقات وإعلانات، وهنا نتوقف عند إعلان بعبدا في 11 حزيران من العام 2012، الذي طالب في بنده الثاني عشر بـ”تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليميّة والدوليّة وتجنيبه الانعكاسات السلبيّة للتوتّرات والأزمات الإقليميّة، وذلك حرصًا على مصلحته العليا ووحدته الوطنيّة وسلمه الأهلي، ما عدا ما يتعلق بواجب التزام قرارات الشرعيّة… والذي أكد في بنده السابع عشر على ضرورة “اعتبار إعلان بعبدا بيانًا يلتزمه جميع الأطراف (ومنهم الحزب الذي حضر ووافق ووقع) وتبلغ نسخة منه إلى جامعة الدول العربية ومنظمة الامم المتحدة”.
هذه العلاقة العامودية بين الآمر الايراني والمأمور في لبنان، قد عبر عنها في محطات كثيرة تعكس النظرة الحقيقية للبنان كساحة وكملحق انطلاقًا من “أن أكلنا وشربنا ورواتبنا وسلاحنا كله من الجمهورية الإسلامية في إيران” على ما أكد أمين عام الحزب الراحل نصرالله، وهي تمامًا كالعلاقة اللبنانية ـ السورية ونظرة حزب البعث العربي الاشتراكي لقيادة الأسدين والذي عبّر عنها الرئيس الراحل حافظ الاسد في 16 تشرين الثاني من العام 1986: “إن كل شبر في لبنان، هو تمامًا ككل شبر في أرض سوريا. إننا شعب واحد ومن أمة واحدة. هكذا خلقنا الله، هكذا هو التاريخ وهكذا هي الجغرافيا”… وقال مثله إيرانيًا الرئيس الحالي للمكتب السياسي في “الحزب” السيّد ابراهيم أمين السيّد في 5 آذار من العام 1987: “نحن لا نقول إننا جزء من إيران؛ نحن إيران في لبنان ولبنان في إيران”… وعبّر عن هذه النظرة التي كررها قاسم بالأمس حسين عبد الأمير عبد اللهيان نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون العربية والافريقية لصحيفة “الجمهورية” في 19 حزيران من العام 2012 بقوله: “أمن المنطقة ولبنان من أمن إيران”… كما قال في الإطار نفسه بعدما أصبح وزيرًا للخارجية في 9 شباط من العام 2024 “نحن نعتبر أن أمن لبنان من أمن إيران والمنطقة”.
لقد سبق لنصرالله أن هدد وتوعد في حال تعرض المقام الأول عند “الحزب” لأي اعتداء مع سكوته وغض نظره عن آلاف الاختراقات والاعتداءات الاسرائيلية المتمادية للأجواء والأراضي اللبنانية منذ العام 2006، تمامًا كما يفعل ويهدد خلفه قاسم مع غض نظره والاحجام عن الانتقام لمقتل أميني عام “الحزب” نصرالله وصفي الدين وآلاف الاختراقات ومئات الاغتيالات داخل الاراضي اللبنانية، التي سبقت وتلت اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني من العام 2024، فالأمين العام السلف كان قد قال في 31 أيار من العام 2019: “أي هجوم على طهران لن يبقى عند حدود إيران”، وقال أيضًا في 3 تشرين الثاني من العام 2023: “يهددونا بضرب إيران”… ليهدد الأميركيين والفرنسيين في حال اعتُدي على إيران بتكرار أزمات الرهائن والاعتداء على السفارة الأميركية ومقر المارينز ومقر الوحدة الفرنسية في الثمانيات بقوله: “ومن هزمكم في لبنان في الثمانينات ما زالوا على قيد الحياة ومعهم أولادهم وعائلاتهم اليوم”.
وما يعزز تبرير ما صدر عن كل من الخلف والسلف في استدراجهما لبنان واللبنانيين و”الحزب” وبيئته للنحر والانتحار والتصفية والاندحار، هو في ما كشفه اللواء الراحل غلام علي رشيد قائد مقر خاتم الانبياء (سقط في الضربات الاسرائيلية على طهران) في 21 أيلول من العام 2021 بقوله: “إن القائد السابق لفيلق القدس قاسم سليماني كان أبلغ قادة القوات المسلحة الإيرانية قبل اغتياله بـ3 أشهر أنه قام بتنظيم 6 جيوش خارج الأراضي الإيرانية”.
أمام الاندفاعة الانتحارية الجارفة لقاسم، كم نحن بحاجة الى نصيحة رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع التي أسداها لأمين عام “الحزب” الراحل قبل رحيله وقبل فوات الأوان وأوان حزبه، إذ وصف في 10 تشرين الأول من العام 2023، ما يحصل بأنه “صراع فيلة”، وفي صراع مماثل لا يقوم الولد الصغير بالوقوف بين أرجل الفيلة.
