صحيفة النهار – خيرالله خيرالله
توجد ظروف كثيرة خدمت النظام الإيراني منذ قيامه في عام 1979، بدءاً بالموقف المائع الذي اتخذته إدارة جيمي كارتر من احتجاز ديبلوماسيي السفارة الأميركيّة في طهران طوال 444 يوماً.
اعتبرت “الجمهوريّة الإسلاميّة” أنّ في استطاعتها دائماً التوصل إلى صفقة مع “الشيطان الأكبر” الأميركي و”الشيطان الأصغر” الإسرائيلي. يدلّ على ذلك تزويد إيران أسلحة إسرائيلية في أثناء حربها مع العراق بين 1980 و1988 والتفاهمات، التي أجريت بوساطة ألمانيّة، والتي سبقت الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في عام 2000.
يظلّ المثال الأهمّ على التفاهم الأميركي– الإيراني، غير المعلن، التأييد الإيراني الضمني للاجتياح الأميركي للعراق في عام 2003. سمح التأييد الإيراني للحرب الأميركيّة على العراق لـ”الجمهوريّة الإسلاميّة” بأن تكون المنتصر الأوّل والوحيد من سقوط نظام صدّام حسين البعثي – العائلي. أكثر من ذلك أدت الحرب التي خططت لها إدارة جورج بوش الابن إلى تسليم العراق على صحن من فضّة لإيران.
مثّل تسليم العراق إلى إيران، في الواقع، انطلاقة جديدة للمشروع التوسّعي الإيراني في المنطقة، خصوصاً مع وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض واختزاله السياسة الأميركية في الشرق الأوسط والخليج بالتوصل إلى اتفاق في شأن الملفّ النووي الإيراني. حصل ذلك بالفعل صيف 2015.
مع وصول دونالد ترامب، في المرّة الأولى، إلى البيت الأبيض بدأت تتغير طبيعة العلاقة بين طهران وواشنطن. مزّق ترامب الاتفاق المتعلّق بالملفّ النووي الإيراني في أيار/ مايو 2018. إلى ذلك، قبيل خروجه من البيت الأبيض، في كانون الثاني/ يناير 2020، أصدر أمراً باغتيال قاسم سليماني قائد “فيلق القدس” في “الحرس الثوري” الإيراني، الرجل الذي يمكن اعتباره لاعباً محورياً على صعيدي الداخل الإيراني والمنطقة كلّها.
كان اغتيال قاسم سليماني بداية الانكشاف الواضح الأوّل لإيران. لم تستطع طهران الرد على تصفية الرجل بعيد خروجه من مطار بغداد الذي وصل إليه من دمشق التي كان قبلها في بيروت حيث التقى الراحل نصرالله…
لكنّ الانكشاف الأكبر لـ”الجمهوريّة الإسلاميّة” كان في الحروب التي افتعلتها في مرحلة ما بعد “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. خسرت إيران حرب جنوب لبنان وفقدت عملياً “الحزب” أبرز أدواتها الإقليمية. لكنّ الخسارة، من الناحية الجغرافيّة، كانت خسارة سوريا التي خرجت من هيمنة “الحرس الثوري” بعدما عاشت طويلاً في ظلها. لم يكن خروج بشّار الأسد من دمشق وفراره إلى موسكو مجرّد نهاية لنظام علوي سعى إلى تغيير طبيعة الديموغرافيا السوريّة فقط. كان هذا الخروج خروجاً لإيران من سوريا، أي من خط التماس بينها وبين إسرائيل. أمّا الخروج من لبنان الذي تجسده النهاية البائسة لـ”الحزب”، فهو نهاية للوجود الإيراني في جنوب لبنان وعلى شاطئ المتوسط في آن واحد.
في ضوء هزيمة إيران في سوريا ولبنان، وهي هزيمة ظهرت لها انعكاسات في العراق أيضاً حيث تحاول القوى الشيعية، من أحزاب وميليشيات، لملمة أمورها لضمان بقاء سيطرتها على البلد، تبدو احتمالات عقد صفقة جديدة مع “الشيطان الأكبر” ضئيلة. لا لشيء سوى لأنّه سيكون صعباً، هذه المرّة، على “المرشد” على خامنئي قبول الشروط الأميركيّة، التي هي في الواقع شروط إسرائيلية فرضها ميزان القوى القائم. ما حدث في ضوء سعي “الجمهوريّة الإسلاميّة” إلى استغلال حرب غزة، للقول إنّها تمتلك مفتاح توسيع الحرب أو ضبطها، أن قواعد اللعبة تغيّرت كلياً في المنطقة. صحيح أن إيران تستطيع القول إنّها ألحقت خسائر بإسرائيل في حرب حزيران/ يونيو 2025، لكنّ الصحيح أيضاً أنّ الحرب انتقلت إلى داخل أراضيها.
كانت أهمّية إيران تكمن في قدرتها على خوض كلّ الحروب، التي تريدها، خارج أراضيها. لم تتغيّر قواعد الاشتباك في جنوب لبنان فحسب، بل تغيّرت في المنطقة كلّها. لم يعد أمام “الجمهوريّة الإسلاميّة” التي انهكتها العقوبات وانهكتها رهاناتها الخاطئة سوى الاعتراف بالتغيير الكبير الذي حصل إقليمياً ودولياً. هل تستطيع التكيف معه من دون أن يؤدي ذلك إلى سقوط النظام الذي في أساسه شعار “تصدير الثورة”… أي تصدير الأزمات الداخلية إلى خارج حدود إيران!
