
افتتاحية صحيفة النهار
موازنة على إيقاع اعتصامات ومساعدات خارجية! اتّساع الانتقادات للحزب وعون يتشبّث بالميكانيزم
في معلومات “النهار”، أن زوار بعبدا يلمسون من الرئيس عون استغرابه لكل ما يشاع عن إلغاء أو تجميد عمل الميكانيزم، فيما عملها العملاني مستمر بقيادتها الأميركية
لم يكن أمراً عابراً أن تبرز منذ اللحظات الأولى لثلاثية أيام جلسات الموازنة، وقائع تكشف اتّساع عزلة “الحزب” على خلفية الرفض العارم الذي أثاره آخر مواقفه المستهجنة في احتكار المغامرات الحربية، منادياً هذه المرة بالانخراط في الدفاع عن إيران في مواجهة احتمال تعرضها لضربات أميركية وإسرائيلية. والساعات القليلة التي ظهّرت اضطرار نواب الحزب إلى التراصف وتكثيف المداخلات في مواجهة الكلمات النيابية التي انتقدت تورّطه وارتباطاته وتدخلات إيران، بدت انعكاساً حيّاً للأجواء السائدة عقب خطاب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم في تورّطه الإعلامي والكلامي المتصاعد نحو إثارة مزيد من العزلة اللبنانية والخارجية حول الحزب، بعدما أثار خطاب إعلان الاستعداد للدفاع عن إيران عاصفة انتقادات وتحذيرات تكشف أكثر فأكثر الهوة المتّسعة بين الحزب وغالبية عظمى من القوى والجهات والفئات اللبنانية. ومواقف قاسم لم تكن أساساً محل قبول عند الكثيرين من المناوئين للحزب، بالإضافة إلى أن شرائح كبرى من الشيعة لا تؤيد إشراك لبنان في أي مواجهة في حال وقوعها بين إيران وإسرائيل. ولم يتلق كثيرون، بدءاً من رئاسة الجمهورية إلى عدد كبير من أعضاء الحكومة ورئيسها نواف سلام كلام قاسم بارتياح، مروراً بكل القوى السيادية ووصولاً إلى حليف الحزب السابق رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل، حيث أجمعوا على رفضهم إسناد “جبهة طهران” وحذّروه من إيقاع لبنان في حرب أخرى مع إسرائيل هي تريدها. وإذا وقعت ستقضي على ما تبقى من قدرات عند اللبنانيين”.
ولعلّ ما كتبه باسيل شكّل عيّنة معبرة عن انفضاض سياسي مطّرد حتى للحلفاء عن الحزب، إذ قال: “وحدة الساحات وحرب الإسناد دمّرا الحزب ولبنان وأسقطا الوظيفة الردعية للسلاح. مُحزِن نشوف اليوم تكرار جريمة توريط لبنان بدمار جديد بدل تحييده وحمايته”.
كما أن موقفاً بارزاً للرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط تميّز بانتقاده الشديد للخطاب الذي ألقاه نعيم قاسم، واصفًا إياه بأنه “غير المسؤول، غير المسؤول، غير المسؤول”، وحذّر من تداعياته الخطيرة على لبنان في ظل الظروف الإقليمية المتوترة.
وأما في جلسات الموازنة، فإن المصادفة شاءت أن تتزامن مع إعلان موافقة مجلس المدراء التنفيذيين للبنك الدولي أمس على تمويل جديد بقيمة 350 مليون دولار لمساعدة لبنان على تلبية الاحتياجات الأساسية للفئات الفقيرة والأكثر احتياجاً خلال مرحلة التعافي الاقتصادي والمالي، وتحسين تقديم الخدمات العامة عالية الأثر من خلال التحوّل الرقمي للقطاع العام. ويغطي هذا التمويل مشروعين جديدين يهدفان إلى إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين من خلال توفير الحماية الاجتماعية للفئات الفقيرة، وتعزيز الإدماج الاقتصادي للنساء والشباب والفئات الأكثر احتياجاً، وتعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية، وتسريع وتيرة رقمنة الخدمات العامة الرئيسية.
جاء هذا التطور البارز غداة المبادرة القطرية بتقديم رزمة مساعدات كبيرة للبنان في القطاعات الأكثر إلحاحاً وحيوية، ليسبغ على مناقشات الموازنة خلفية مضاعفة الأهمية لجهة تحرك المجتمع الدولي من خلال قطر والبنك الدولي نحو تدعيم الوضع الاقتصادي في لبنان بما يوحي بمؤشرات جديدة ذات خلفية دولية تكتسب أهمية كبيرة.
ومع ذلك، فإن ما طغى على انطلاقة أيام جلسات الموازنة كان خارج المجلس وليس داخله، إذ شقّ النواب طريقهم إلى ساحة النجمة بصعوبة على وقع احتجاجات العسكريين المتقاعدين واضطروا إلى تقديم وعود مباشرة لهم للسماح بالوصول إلى المجلس النيابي، كما شاركت فئات من الموظفين في القطاع العام في الاعتصامات بما عكس الاختناقات الاجتماعية التي تواجه الحكومة والمجلس في إقرار الموازنة.
وانطلقت مناقشة مشروع موازنة عام 2026 في جلسة اتّسمت منذ لحظاتها الأولى بالتوتر السياسي والسجالات الحادة، ما عكس حجم الانقسام العمودي داخل البرلمان، وأخرج النقاش سريعاً من إطاره المالي إلى مواجهة سياسية مفتوحة حول مفهوم الدولة والسيادة في ظل الموقف الاستفزازي لـ”الحزب”.
ورسمت الكلمة التي القاها رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان، مناخاً مشدوداً للمناقشات، إذ أكد فيها أن “اللجنة لاحظت غياب الرؤية الاقتصادية والاجتماعية لمشروع الموازنة المحال إليها، وتدني نسبة الاعتمادات المخصصة للاجهزة الرقابية التي تتولى مراقبة أداء مؤسسات الدولة”. ولفت إلى أن “معظم الوزارات والإدارات والمؤسسات تقدّمت بطلبات زيادة لاعتماداتها ما يدل على تسرّع الحكومة.
كما أن كلمة رئيس لجنة الادارة والعدل النائب جورج عدوان حفلت بالانتقادات وتطرّق إلى الجانب السياسي، مشيراً إلى أن “أي رهان على وجود تنظيمات خارج الدولة هو خارج السياق كلياً ونحن على مفترق طرق، إما ننخرط في الدولة أو سنعاني جميعنا من مشكلة في الحاضر والمستقبل”.
وردّ بري على عدوان بالشأن المتصل باتفاق وقف النار والقرار 1701، فقال: “لبنان قام بواجباته كاملاً ولكن إسرائيل لم تلتزم بشيء”.
وتسبّبت كلمة النائب فراس حمدان بسجال حاد، إذ اعتبر أن “الهدف اليوم من أي مسار سياسي هو منع الانزلاق إلى أي تهوّر جديد”، وتطرق إلى الشأن الإيراني، خصوصاً التظاهرات التي حصلت مؤخراً، فطلب منه رئيس المجلس أن يلتزم بمضمون المناقشة المتّصلة بالموازنة، وهو ما فتح باب السجال واسعاً، حيث اعترض نواب من كتلة “الوفاء للمقاومة” على كلام حمدان، على اعتبار أنه لا يجوز المساس بشؤون دولة أخرى من على منبر المجلس النّيابي”. وردّ عليه النائب علي المقداد بالقول: “ما بيصير يعمل حملة انتخابية هون بالمجلس”. كما ردّ النائب علي فياض على حمدان: “روح عمول مؤتمر صحفي برا”، مشددًا على أنه “لا يجوز التعرض لأي دولة صديقة داخل مجلس النواب”.
بدوره، تدخل النائب سامي جميل، قائلًا إن لكل شخص الحق في قول ما يريد. وكان حمدان قال: “فيه مصاري الشيخ نعيم… إذا هو قادر يوقف الاعتداءات ويجيب المصاري”. وقاطع النائب إيهاب حمادة كلمة حمدان، وقال: “دولة الرئيس، حضرتو إذا عم بوجهلك أسئلة كمحقق وقاعد عم بحقق مع العالم، خليه بيللي هو فيه، خليه ضمن النقاش، عنا حقّ الردّ على الكثير من التفاصيل”، فأجاب حمدان: “حرية الرأي والتعبير لا يُمكن لأحد المساس بها، هذا رأينا وموقفنا السياسيّ”.
وفي الجلسة المسائية برزت حملة حادّة من النائب ميشال معوض على خطاب نعيم قاسم ومواقف الحزب، كما انتقد النائب جبران باسيل الموازنة وطالب بجلسة مناقشة للحكومة واعتبر أن حلّ حصرية السلاح يكون في استراتيجية دفاعية، وكرّر انتقاد موقف الحزب من الدفاع عن إيران. وتميّزت كلمة النائبة غادة أيوب بتفنيد دقيق وتفصيلي واسع للمخالفات الدستورية والقانونية التي شابت الموازنة، معلنة الاحتفاظ بحق الطعن ببعض موادها.
في غضون ذلك، بدا لافتاً الإعلان أنه بتكليف من رئيس الجمهورية جوزف عون التقى المستشار الأمني والعسكري للرئيس عون العميد الركن المتقاعد انطوان منصور، في السفارة الأميركية مساعد رئيس اللجنة الخماسية لمراقبة اتفاق وقف الاعمال العدائية في الجنوب “الميكانيزم” العقيد الأميركي ديفيد ليون كلينغنسميث في حضور الملحق العسكري الأميركي في السفارة، وتم خلال اللقاء عرض تطوّر عمل اللجنة والتعاون القائم بين الجانب اللبناني وبينها في إطار تطبيق الأهداف التي أُنشئت من أجلها. كما تم التأكيد على الأهمية التي يوليها الرئيس عون لعمل اللجنة لتثبيت الاستقرار والأمن في البلاد.
وفي المعلومات المتوافرة لـ”النهار” أن زوار بعبدا يلمسون من الرئيس عون استغرابه لكل ما يشاع عن إلغاء أو تجميد عمل الميكانيزم فيما عملها العملاني مستمر بقيادتها الأميركية. وفي سياق سياسي آخر يشدّد هؤلاء على أن الرئيس عون يؤكد إجراء الانتخابات النيابية في موعدها بعد معالجة المادة المتصلة بالنواب الستة في انحاء الانتشار في قانون الانتخاب النافذ وهو أمر قد يستدعي إجراءها في حزيران أو تموز بدل أيار.
********************************************
افتتاحية صحيفة الشرق الأوسط
إسرائيل تنتقل إلى مستوى جديد من الاغتيالات للضغط على بيئة «الحزب»
آخرها طال إعلامياً ورجل دين ومدرساً اتهمتهم بالضلوع في أنشطة عسكرية
بيروت: بولا أسطيح
كان لافتاً في الأسبوع الماضي انتقال إسرائيل إلى مستوى جديد من الاغتيالات في صفوف «الحزب»، بعدما كانت تحصرها إلى حد كبير الأشهر الماضية في شخصيات بمواقع قيادية، كما بأخرى فاعلة عسكرياً على الأرض، لتوسعها راهناً لتطول أشخاصاً عاديين، إضافة لإعلاميين وأساتذة ومهندسين مقربين من الحزب؛
إذ لفت استهدافها مؤخراً الشيخ غير المعمم علي نور الدين الذي عمل سابقاً في قناة «المنار» مقدِّماً في برامج دينية، متهمة إياه بأنه يشغل منصب مسؤول طاقم مدفعية «الحزب» بقرية الحرش جنوب لبنان، وأنه «دفع خلال الحرب بمخططات إرهابية عديدة ضد دولة إسرائيل وقوات جيش الدفاع، وفي الآونة الأخيرة عمل على إعادة إعمار قدرات المدفعية التابعة لـ(الحزب) الإرهابي في جنوب لبنان».
وبينما أدان «الحزب» استهداف من وصفه بـ«الإعلامي الشهيد»، نبّه على «خطورة تمادي العدو في اعتداءاته لتطول الجسم الإعلامي بكل أشكاله ومسمياته». كما أدان وزير الإعلام ونقابة محرري الصحافة اللبنانية اغتيال نور الدين.
وكان قد سبق هذه العملية اغتيال المدرّس محمد الحسيني، وهو أستاذ مادة الرياضيات في مدرسة «المبرات». وقال الجيش الإسرائيلي إن الحسيني كان يتولى مسؤولية عسكرية في مدفعية «الحزب». ونعت نقابة المعلمين الحسيني، مؤكدة أن الاعتداء «جريمة جديدة ضمن سجل الاحتلال في استهداف الأبرياء».
وترى مصادر أمنية أنه «لا يمكن قراءة الاغتيالات الأخيرة بوصفها أعمالاً أمنية معزولة، بل بوصفها جزءاً من تحوّل مدروس في بنك الأهداف الإسرائيلي»، معتبرة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن التحول الحالي يريد أن يوصل رسالة مفادها «ألا حصانة لأحد داخل بيئة (الحزب)؛ ما يهدف إلى زرع الخوف، وتفكيك البيئة، ودفعها للابتعاد مضطرة عن تغطية الحزب ودعمه».
جغرافيا الاستهدافات أهم من طبيعتها
ولا ينحصر توسيع العمليات ليطول نور الدين والحسيني حصراً، إذ تم استهداف مهندسين وفعاليات اجتماعية أيضاً. وبينما تبرر إسرائيل هذه الاستهدافات بحديثها عن مهام عسكرية يتولاها هؤلاء إلى جانب أعمالهم اليومية المعلن عنها، يرى العميد المتقاعد حسن جوني أن «إسرائيل رفعت مستوى قساوة الهجمات على الأصعدة كافة سواء لجهة المناطق المستهدفة والأسلحة المستخدمة أو لجهة طبيعة الاغتيالات التي باتت تستهدف عناصر وحتى أشخاصاً قد لا يكونون مقاتلين، إنما حصراً مؤيدين ومناصرين برزت صورهم في احتفالات حزبية أو شاركوا فيها»، لافتاً إلى أن الغاية من ذلك هي «استمرارية الاستهدافات، وفق رزنامة قتل يومية بصرف النظر عن أهمية الهدف»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «كما يبدو أن جغرافيا الاستهدافات باتت أهم من طبيعتها، لجهة أنه وفق المخطط الإسرائيلي يجب أن تكون هناك اغتيالات دورية في مناطق مختلفة لتعكير صفو الأمن وإرهاب البيئة».
ضغط على بيئة الحزب
ويرى جوني أن «الشخصيات المستهدَفة لم تعد ذات أهمية بالنسبة لإسرائيل، فالأهم بالنسبة لها مواصلة الاغتيالات؛ إذ يبدو أن بنك الأهداف يتسع ليشمل عشرات الآلاف ما دام يكفي أن يكون الهدف مناصراً للحزب»، معتبراً أن كل ذلك يندرج في إطار «رفع وتيرة الأذى، وهذا ما يبدو بالاستهدافات التي تطول القرى؛ حيث تُستخدم أسلحة شديدة التأثير بحيث تكون الأضرار الجانبية كبيرة وعلى نطاق واسع».
ويتحدث جوني عن انسجام ما يحدث مع «استراتيجية ترفع تدريجياً الضغط على الحزب وبيئته وعلى الدولة بهدف زيادة الشرخ بين البيئة والحزب، حيث يبدو أن إسرائيل ترصد بعض الانشقاقات او التذمر والاعتراضات على قرارات الحزب، وبالأخص بين (الحزب) وحركة (أمل)؛ ما يعني أنه إيلام مقصود بما يؤدي لإحراج البيئة لإخراجها من مفهوم المقاومة».
كما يضع جوني حدة الردود الإسرائيلية في سياق الرد على خطابات الأمين العام لـ«الحزب» «التي تبدو أكثر عناداً بالتمسك بالسلاح، ورفضاً للخضوع لإسرائيل؛ لذلك نبحث دائماً ردوداً قاسية بعد خطاباته».
من جهته، يرى الأستاذ الجامعي علي مراد أن «استهداف عناصر لا تُعدّ من الفئات الناشطة والمعروفة سابقاً لدى الرأي العام المحلي، كما كانت الحال في مراحل سابقة، يشير إلى أن إسرائيل لا تزال مُصرّة على رفع مستوى الضغط على (الحزب)، كما أن هذه العمليات قد تعكس جانباً من الصراع الاستخباراتي؛ إذ يبدو أن الحزب يمرّ بمرحلة إعادة نظر، أو محاولة لتشكيل أطر بديلة للعمل السري». ويرى مراد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يمكن الجزم به هو أن القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية لا تزال مرتفعة جداً في لبنان، ويبدو أنها ما زالت تتعامل مع (الحزب) كتنظيم مكشوف نسبياً؛ ما يعرّض عناصره، على مختلف المستويات الأمنية، إلى حالة من الانكشاف الدائم»، خاتماً: «بالمحصلة، يطرح هذا الواقع أسئلة كبيرة حول القدرة الفعلية للحزب على التعامل مع هذا النوع من الاختراقات، وحول مدى تحمّله استمرار الضربات الأمنية، خصوصاً على المستويات الدنيا، بعد أن كانت القيادات العليا قد تعرّضت سابقاً لضربات موجعة».
********************************************
افتتاحية صحيفة نداء الوطن
رسالة بعبدا للضاحية: “لبنان الساحة” انتهى
وسط تلاطم الملفات السياسية والأمنية، شقت “موازنة 2026” طريقها نحو منصة الاهتمام الداخلي، مع انطلاق “ماراثون” جلساتها أمس في ساحة النجمة. الأرقام لم تكن وحدها قاعدة الاختلاف بين النوّاب، إذ أرخى المشهد الإقليمي بظلاله ولا سيما التطورات الإيرانية على مجريات الحدث، إلى جانب الاحتجاجات المطلبية والمعيشية التي ضمت العسكريين المتقاعدين وموظفي القطاع العام والمستأجرين القدامى الذين احتشدوا في ساحة رياض الصلح.
وكانت القنبلة التي ألقاها أمين عام “الحزب” الشيخ نعيم قاسم في إعلان “إسناد 2” لـ “الجمهورية الإسلامية”، اخترقت جدران البرلمان. فما نفع الموازنات إذا كان “الحزب” مصرًّا على المقامرة بميزان السلم الأهلي والوطني؟ وبينما تنهمك كتلته النيابية في مناقشة وتشريح أرقام الإيرادات والواردات، كان الأجدى بها، التوقف أيضًا عند “فواتير” الدماء، وأرقام الضحايا والخسائر البشرية والمادية التي تكبدها لبنان، نتيجة حروبهم الخاسرة وسلاحهم الذي يهدد بإجهاض خطط الدولة المالية والاقتصادية.
“زلّة لسان” محقة
وفي مشهد عكس حضور الهاجس الانتخابي على التقني، استدعت “زلّة لسان” نبيه برّي، حين أخطأ بتسمية “قانون الانتخاب” بدلًا من “الموازنة”، تصفيقًا حارًا من النواب، لتؤكد الواقعة أن “كلمة الحق سبقت”، وأن “المشروع الأسير” في أدراج الرئاسة الثانية هو الحاضر الأقوى في “لاوعي” رئيس المجلس المُعرقل لتحريره. إلى ذلك، تُستأنف جلسات الموازنة اليوم، وفي حال لم ينجح النواب في كبح جماح المداخلات المطولة، فإن مدار النقاشات قد يتخطى سقف الأيام الثلاثة ليمتد إلى ما بعد الغد.
كلام قاسم “لن يمرّ”
ورغم تصدر ساحة النجمة المشهد السياسي، إلا أن مفاعيل كلام الشيخ نعيم قاسم لا يزال يتفاعل داخل الأروقة الرسمية، فمواقفه لم تكن “سحابة صيف” أو “قطوعًا ومرّ”. في هذا السياق، تكشف مصادر سياسية مطّلعة لـ “نداء الوطن” أن خطاب الأمين العام، انعكس على مساعي ترطيب الأجواء بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون و “الحزب”، وقد يؤخر الزيارة التي يُعمل على أن يقوم بها رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد، إلى بعبدا. ذلك أن عون يرفض تجاوز الدولة اللبنانية وسيادتها، ويؤكد أن قرار الحرب والسلم بات في يد الشرعية اللبنانية وأنه لن يتساهل مع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء في هذه المسألة، لأن نموذج “لبنان الساحة” ذهب إلى غير رجعة. هذه الرسالة أوصلتها بعبدا إلى الضاحية بعد كلام قاسم، عبر أكثر من قناة، تتابع المصادر، عبر وسطاء وأيضًا عبر عين التينة.
في الموازاة، تكشف المصادر أن موقف قاسم، زاد الحكومة ورئيسها، ورئاسة الجمهورية، قناعة، بضرورة المضي قدمًا في خطة حصر السلاح، مشيرة إلى أن الاتصالات الرسمية تكثفت في الساعات الماضية، مع قيادة الجيش لإنجاز تصوّر المرحلتين الثانية والثالثة، في أقرب وقت، لأن السلاح الخارجيّ الإنتماء، بات اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يهدد بوضع لبنان على ممرّ الفيلة.
“فيتو” يجمّد هبة قطر للإعمار
عطفًا على المساعدات القطرية للبنان، علمت “نداء الوطن” أن الكلام الذي سبق الإعلان عن الهبة رسميًا، والحديث عن صرف قطر مبالغ مالية لترميم ثلاث بلدات حدودية دمرتها إسرائيل، اصطدم بعقبات ميدانية وسياسية؛ فبينما تقترب دراسة المشروع من الإنجاز، تجري الدوحة اتصالات مكثفة مع واشنطن وتل أبيب لتأمين ضمانات بعدم تدمير ما سيتم بناؤه. وفي ظل الرفض الإسرائيلي القاطع لأي إعمار حاليًا، بات المشروع القطري مؤجلًا، بانتظار “ضوء أخضر” دولي، يرحّل ملف الإعمار إلى موعد غير مسمى.
عقلنة “الحزب”
دبلوماسيًّا، كان لوزير الخارجية يوسف رجي سلسلة مواقف، تعكس تمسّك الدولة بسيادتها، إذ أكد خلال ندوة في بيروت، أن الحل يكمن في عودة “الحزب” إلى إطار دولة القانون، وأن عليه تسليم سلاحه طواعية، مؤكدًا ضرورة وقف إعادة تسليحه وتمويله. وكشف أنه طلب من نظيره الإيراني عباس عراقجي “إقناع الحزب بالعقلانية”. وأضاف أن حركة “حماس” انتهت عمليًا، محذرًا من أن الوقت يُهدر من دون جدوى في التعامل معها. وأشار إلى أن لبنان لديه شروط واضحة مقابل السلام، لافتًا إلى أن ثمة تركيبة جديدة يجري الإعداد لها في المنطقة.
تعاون عسكري لبناني – أميركي
على خط “الميكانيزم”، وبتكليف من رئيس الجمهورية، التقى المستشار الأمني والعسكري للرئيس عون العميد الركن المتقاعد أنطوان منصور، مساعد رئيس اللجنة الخماسية لمراقبة اتفاق وقف الأعمال العدائية في الجنوب، العقيد الأميركي “ديفيد كلينغن سميث” في حضور ملحق الدفاع في السفارة الأميركية العقيد “جايسن بلكناب” في السفارة الأميركية في عوكر. وتم خلال اللقاء عرض تطور عمل اللجنة والتعاون القائم بين الجانب اللبناني وبينها في إطار تطبيق الأهداف التي أنشئت من أجلها. كما تم التأكيد على الأهمية التي يوليها الرئيس عون لعمل اللجنة لتثبيت الاستقرار والأمن في البلاد. من جهته، وعشية زيارته لواشنطن، التقى قائد الجيش العماد رودولف هيكل في مكتبه في اليرزة قائد قوة المهام المشتركة للعمليات الخاصة في القيادة المركزية الأميركية “ميسون ر. دولا” مع وفد مرافق، وتناول البحث سبل التعاون بين الجيشَين اللبناني والأميركي، والتطورات في لبنان، إضافة إلى الأوضاع العامة في المنطقة.
في الميدان، استهدفت غارة اسرائيلية شخصًا في بلدة باتوليه فأردته. وأعلن الجيش الإسرائيلي “أننا هاجمنا عنصرًا من “الحزب” في منطقة دير قانون وقضينا على عناصر من “الحزب” عملوا على إعادة إعمار موقع تحت الأرض في جنوب لبنان”. وألقت مسيرة إسرائيلية قنبلة صوتية في محيط أحد رعاة الماشية في أطراف بلدة رميش في قضاء بنت جبيل. كما ألقت مسيرة أخرى قنبلة على حي الكساير في بلدة ميس الجبل. واستهدفت محلقة إسرائيلية منزلًا غير مأهول عند مدخل يارون الغربي، كان قد رممه صاحبه بعد وقف الحرب الإسرائيلية العام الماضي.
“اليونيفيل” تُحذر من الانهيار
من جهتها، أكّدت قوات “اليونيفيل”، “مواصلة دعمها للاستقرار في جنوب لبنان، تنفيذًا لمندرجات القرارين 1701 و2790 الصادرين عن مجلس الأمن الدولي، وذلك في إطار المساهمة في ضمان الأمن والاستقرار للجميع”. وأوضحت في بيان أن “حفظة السلام يواصلون تنفيذ دوريات منتظمة، ومراقبة التطورات الميدانية على طول الخط الأزرق، إضافة إلى رفع تقارير إلى مجلس الأمن حول أي انتهاكات يتم رصدها”. كما أشارت إلى أنه “منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، سُجّلت آلاف الانتهاكات للقرار 1701″، محذرة من أن “هذا الواقع يعرّض الهدوء الهش القائم في الجنوب لخطر الانهيار”.
بقاعًا، وضمن إطار التدابير الأمنية التي تنفذها المؤسسة العسكرية لمكافحة الاتجار بالمخدرات، نفذت وحدة من الجيش عمليات دهم لمنازل مطلوبين في منطقة تل الأبيض – بعلبك، وضبطت معملًا نقالًا لتصنيع الكبتاغون، محمّلًا على متن شاحنات، إضافة إلى كمية من المخدرات والمواد الأولية المستخدمة في تصنيعها، وكمية من الأسلحة والذخائر الحربية.
********************************************
افتتاحية صحيفة الجمهورية
“الجمهورية”: لبنان أمام تحدّي استمرار “الميكانيزم”… والقطاع العام يتحرّك لاستعادة “الكرامة الوظيفية”
على وقع تتبّع التطورات الإقليمية المتصلة بالحشد العسكري والديبلوماسي الأميركي ضدّ ايران، وفي ظل عدم الإلتزام الإسرائيلي المتمادي باتفاق وقف النار ومواصلة الاعتداءات التي أوقعت شهداء جدداً أمس جنوباً، وفيما ينشغل لبنان بإحباط محاولات اسرائيل لإنهاء لجنة «الميكانيزم»، بدأ مجلس النواب مناقشة موازنة 2026 بصفتها استحقاقاً دستورياً لا مشروع إنقاذ. أرقام بلا رؤية، خطاب اجتماعي بلا تمويل، وسجالات سياسية تخطّت الشأن المالي إلى الاصطفافات الإقليمية، فيما بقي السؤال الجوهري معلّقاً: أي دولة تُدار بهذه الموازنة؟
على وقع الانتخابات النيابية المقبلة والانقسام السياسي العميق، دخل مجلس النواب اللبناني في نقاش الموازنة، في لحظة سياسية شديدة الحساسية، تتجاوز الأرقام والجداول المالية إلى ما هو أعمق: نزاع على السرديات، ومحاولة إعادة تموضع انتخابي قبل استحقاق أيار المقبل الانتخابي، فيما يخيّم في الخلفية نزاع سياسي مفتوح حول حصرية السلاح ودور الدولة في ظل الانقسام الحاد مع «الحزب».
موازنة بلا رؤية… ونقاش فوق الرماد
وبدا واضحاً من جلستي الأمس، أنّ مشروع الموازنة لا يُقارب كخطة إنقاذ اقتصادي بمقدار ما يُتعاطى معه كأمر واقع تفرضه الضرورات الدستورية. فقد تكرّرت في المداخلات النيابية إشارات إلى غياب الرؤية الإصلاحية المتكاملة، وعدم معالجة الخلل البنيوي في المالية العامة، وخصوصاً في ما يتصل بملف الكهرباء، ضبط الإنفاق، وغياب قطع الحساب.
وقد عبّر عدد من النواب في مداخلاتهم، عن أنّ الموازنة «لا تعكس خروجاً فعلياً من منطق الترقيع»، مشيرين إلى أنّها تفتقر إلى أي مقاربة جدّية لاستعادة الثقة أو تحفيز النمو، فيما اكتفى نواب آخرون بالتذكير بأنّ تحميل المواطنين مزيداً من الرسوم والضرائب «لم يعد مقبولاً في ظل» انهيار القدرة الشرائية».
لكن ما ميّز جلستي الأمس لم يكن فقط النقد التقني، بل الطابع الشعبوي الواضح لعدد من المداخلات. فمع اقتراب الانتخابات النيابية، تحوّلت الموازنة منصّة خطابية بامتياز. إذ انقلبت المناقشة إلى ساحة اشتباك سياسي تلمؤها شعبوية انتخابية، وسجال حول موقف «الحزب» المتضامن مع إيران في مواجهة الحملة الأميركية ـ الإسرائيلية عليها، وسط أسئلة مؤجَّلة عن الدولة والقرار والسيادة.
وبعد جلستين من المناقشة عُقدتا أمس، رفع رئيس مجلس النواب نبيه بري الجلسة النيابية المسائية إلى الحادية عشرة اليوم، على ان تليهما جلسة أخرى مساء.
التحدّي الأخطر
في غضون ذلك، وفي معلومات لـ«الجمهورية»، انّ التحدّي الأخطر الذي يترقّب لبنان مواجهته في الأيام القليلة المقبلة، هو تحدّي استمرار عمل لجنة «الميكانيزم»، في ضوء ما يسجّله لبنان الرسمي من خطط إسرائيلية لإعدام هذه اللجنة، بما تشكّله من ضمانات الحدّ الأدنى لمشاركة لبنان وفرنسا والأمم المتحدة. فالاتجاه الذي أظهرته تل أبيب أخيراً هو إنهاء عمل هذه اللجنة واستيلاد أطر جديدة عسكرية وسياسية، يكون فيها لبنان وإسرائيل وجهاً لوجه، وبمشاركة أميركية فقط.
وهذا الأمر، دفع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أمس، إلى حال استنفار لمعالجة الملف سريعاً، خصوصاً مع اقتراب موعد الزيارة المقرّرة لقائد الجيش إلى العاصمة الأميركيّة. وبتكليفٍ منه، التقى مستشاره الأمني والعسكري العميد الرّكن المتقاعد أنطوان منصور، مساعد رئيس «الميكانيزم» العقيد ديفيد ليون كلينغنسميث، في حضور ملحق الدفاع في السفارة الأميركية في بيروت العقيد جاسون بلكناب. وتركّز البحث على «تطوّر عمل اللجنة والتعاون» مع الجانب اللبناني، في إطار تطبيق الأهداف التي أُنشئت من أجلها، وتثبيت أهمية دورها في الاستقرار والأمن. كما تمّ تأكيد الأهمية التي يوليها الرئيس عون لعمل اللجنة لتثبيت الاستقرار والأمن في البلاد. فلبنان يريد إنقاذ «الميكانيزم» من الانهيار، لتبقى له القدرة على المشاركة في المخارج والخيارات، لأنّ البدائل المطروحة خطرة.
زيارة هيكل لواشنطن
في هذه الأثناء، لوحظت أمس مواكبة أميركية مبكرة لزيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل لواشنطن. فقبيل هذه الزيارة التي تبدأ الاثنين المقبل، ويستبقها توجّه وفد من الضباط إلى العاصمة الأميركية خلال اليومين المقبلين تحضيراً، ولمتابعة اعمال لجنة «الميكانيزم»، استقبل العماد هيكل في مكتبه في اليرزة أمس قائد قوة المهمّات المشتركة للعمليات الخاصة في القيادة المركزية الأميركية Brig. Gen. Mason R Dula مع وفد مرافق، وتناول البحث سبل التعاون بين الجيشَين اللبناني والأميركي، والتطورات في لبنان، إضافة إلى الأوضاع العامة في المنطقة. ثم استقبل المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جانين هنس بلاسخارت، وتناول البحث الأوضاع في البلاد، والتحضيرات لمؤتمر دعم الجيش المقرر عقده في 5 آذار المقبل في باريس.
وزارت بلاسخارت الرئيس عون، وأكّدت له مواصلة العمل لتثبيت الاستقرار والأمان في الجنوب.
في الموازاة، أشار وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي، إلى «أنّ ثمة تركيبة جديدة يتمّ الإعداد لها في المنطقة. وقال: «لدينا شروط مقابل السلام». وأكّد «ضرورة وقف إعادة تسليح وتمويل «الحزب»، معتبرًا أنّ على «الحزب» تسليم سلاحه طواعية». وأكّد «أنّ حركة «حماس» انتهت عملياً، ونحن نضيّع الوقت فقط»، مشدّدًا على «أنّ الحل بعودة «الحزب» إلى دولة القانون».
البنك الدولي
من جهة ثانية، أعلن البنك الدولي في بيان، أنّ «مجلس المدراء التنفيذيين للبنك الدولي وافق أمس، على تمويل جديد بقيمة 350 مليون دولار لمساعدة لبنان على تلبية الاحتياجات الأساسية للفئات الفقيرة والأكثر احتياجاً خلال مرحلة التعافي الاقتصادي والمالي، وتحسين تقديم الخدمات العامة عالية الأثر، من خلال التحول الرقمي للقطاع العام. ويغطي هذا التمويل مشروعين جديدين يهدفان إلى إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين، من خلال توفير الحماية الاجتماعية للفئات الفقيرة، وتعزيز الإدماج الاقتصادي للنساء والشباب والفئات الأكثر احتياجاً، وتعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية، وتسريع وتيرة رقمنة الخدمات العامة الرئيسية.
وقال المدير الإقليمي لدائرة الشرق الأوسط في البنك الدولي جان كريستوف كاريه: «يشهد لبنان تعافياً هشاً. تهدف حزمة التمويل الجديدة من البنك الدولي إلى تحقيق فوائد واسعة النطاق وذات أثر كبير على صعيد المجتمع، من خلال تعزيز الحماية الاجتماعية والشمول الاقتصادي والتحول الرقمي». وأضاف: «ستُسهم هذه الجهود في تعزيز التعافي الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وتعزيز قدرة لبنان على تقديم خدمات عامة عالية الأثر لكافة المواطنين».
وأوضح البيان، انّ المشروع الأول يهدف، (وهو مشروع تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي وبناء الأنظمة: 200 مليون دولار) إلى مواصلة تعزيز نظام الحماية الاجتماعية في لبنان، مع توفير الموارد المكمَّلة للتمويل الحكومي المخصص للتحويلات النقدية. وسيعتمد المشروع نهجاً متكاملاً يجمع بين تقديم تحويلات نقدية للأسر اللبنانية الفقيرة والأكثر احتياجاً، وتعزيز الوصول إلى الفرص الاقتصادية والخدمات الاجتماعية، لا سيما للنساء والشباب والفئات الأكثر احتياجاً. كما سيعمل المشروع على تعزيز الأنظمة والمؤسسات، من أجل تقديم خدمات برامج شبكات الأمان الاجتماعي على نحوٍ فعَّال ومستدام، وتحديداً عبر تطوير منصة «دعم» – التي تدعم تنفيذ برنامج «أمان» للتحويلات النقدية – لتمكينها من العمل كسجل اجتماعي وطني شامل يخدم برامج حكومية أخرى. ويستند هذا المشروع إلى أجندة إصلاحٍ طموحة تُنفّذها الحكومة لتحسين فاعلية وكفاءة منظومة الحماية الاجتماعية في لبنان، مع التركيز على زيادة المخصصات المحلية لبرنامج الحماية الاجتماعية الحكومي، إلى جانب تعزيز ديناميكية البرنامج من خلال إعادة تقييم الأسر المستفيدة للتحقق من استمرارية أهليتها وفتح باب تقديم الطلبات للأسر الجديدة دورياً، كما وتعزيز الأنظمة بما يرفع جاهزيتها لمواجهة الصدمات.
أما المشروع الثاني، وهو مشروع تسريع التحول الرقمي في لبنان (150 مليون دولار)، فيهدف إلى تحسين حصول المواطنين على الخدمات الحكومية الأساسية والفرص الاقتصادية، وتمكين عمل الشركات ورواد الأعمال من خلال بيئةٍ رقميةٍ أكثر أماناً وتوسيع آفاق النفاذ إلى الأسواق، وتمكين الحكومة من تحسين تقديم الخدمات، ورفع الكفاءة التشغيلية عبر تعزيز المنصات الرقمية وقدرات إدارة البيانات.
إضراب لثلاثة ايام
من جهة ثانية، شهدت بيروت ومناطق لبنانية عدة، امس، تحركات احتجاجية واسعة لموظفي القطاع العام والعسكريين المتقاعدين والمعلمين والقضاة والمساعدين القضائيين، تزامنًا مع بدء مجلس النواب مناقشة مشروع الموازنة العامة لعام 2026، في مشهد أعاد إلى الأذهان تحرّكات عام 2022 التي شلّت مرافق الدولة لأشهر.
وقد تظاهر مئات من موظفي القطاع العام وروابط التعليم الرسمي والمساعدين القضائيين أمام مبنى مجلس النواب في وسط بيروت، احتجاجًا على تدنّي الرواتب وتآكل القدرة الشرائية، محذّرين من تصعيد تدريجي قد يصل إلى الإضراب المفتوح في حال عدم الاستجابة لمطالبهم. وانطلقت التظاهرة بدعوة من «المجلس الوطني لقدامى موظفي الدولة»، من ساحة بشارة الخوري باتجاه البرلمان، بمشاركة العسكريين المتعاقدين والمتقاعدين، وموظفي الإدارات العامة، وروابط التعليم الأساسي والثانوي والمهني. ورفع المشاركون شعارات ولافتات تطالب باستعادة «الكرامة الوظيفية» وتحسين الأجور، مؤكّدين ضرورة رفع الرواتب بما لا يقل عن 50 في المئة من قيمتها الفعلية قبل الانهيار الاقتصادي الذي بدأ عام 2019. وبرزت لافتات للمعلمين حملت عبارات مثل «لا كرامة لمعلّم جائع»، و«راتب عادل يساوي تعليمًا أفضل»، و«الأستاذ يصنع العقول لا الأزمات»، فيما ردّد المحتجون هتافات تؤكّد رفضهم «الخضوع»، ملوّحين بخيارات تصعيدية تشمل مقاطعة الامتحانات الرسمية، تخفيض أيام التدريس، وصولًا إلى الإضراب المفتوح.
ولم تقتصر التحركات على بيروت، إذ بدأ العسكريون المتقاعدون اعتصامًا في ساحة الشهداء، فيما أقدم محتجون على قطع أوتوستراد شكا شمالاً عبر إشعال الإطارات، ما أدّى إلى زحمة سير خانقة قبل إعادة فتح الطريق. كما رُفع شعار الإضراب الشامل في قطاعات أساسية، وسط معلومات عن سلسلة احتجاجات تمتد لثلاثة أيام، تشمل الإضراب والتظاهرات والاعتصامات أمام مؤسسات رسمية.
وفي الإطار القضائي، دعا «نادي قضاة لبنان» إلى توقف تحذيري عن العمل في جميع المحاكم والدوائر القضائية، احتجاجًا على الأوضاع المعيشية، وللمطالبة بتحسين الرواتب وتأمين اللوجستيات اللازمة لقصور العدل. وأكّد النادي أنّ الإهمال المستمر للقضاة والمساعدين القضائيين غير مبرر، محذرًا من استمرار الإضراب والتصعيد في حال عدم تصحيح الموازنة.
أما روابط التعليم الرسمي، فأعلنت الإضراب في الدوامين الصباحي والمسائي، وتنظيم تظاهرة مركزية أمام مجلس النواب، مع استمرار الإضراب يومي الأربعاء والخميس، ضمن روزنامة تحركات دفاعًا عن الحقوق ورفض المماطلة.
من جهتها، أعلنت لجنة المتابعة لـ«رابطة موظفي الإدارة العامة» التزام الإضراب لثلاثة أيام، ووضعت برنامجًا تصعيديًا يشمل وقفات احتجاجية أمام مؤسسات رسمية في بيروت والمحافظات، احتجاجًا على إقرار موازنة خالية من إصلاحات حقيقية وزيادات عادلة. ويضمّ التحرك تجمعًا واسعًا من روابط القطاع العام، بينها المساعدون القضائيون، موظفو الإدارة العامة، العسكريون المتقاعدون، موظفو الجامعة اللبنانية، وروابط أساتذة التعليم الرسمي والمتقاعدين.
********************************************
افتتاحية صحيفة اللواء
السياسة تذهب بأرقام الموازنة.. وضغط بالمطالب خارج القاعة
لقاء عسكري لبناني – أميركي حول الميكانيزم.. ومصير مؤتمر دعم الجيش بعد زيارة هيكل لواشنطن
لم تحجب مناقشات الموازنة العامة للعام 2026، والمتوقع أن تُقرّ غداً الخميس، أي قبل نهاية كانون الثاني، الذي لم يبقَ منه سوى أربعة أيام، مشوبة بحذر يتزايد من المشهد الاقليمي – الدولي المتوتر، على خلفية احتمالات الحرب الاميركية على إيران والمشهد المترتب عليه في الاقليم..
ولم تغب السياسة عن أولى جلسات مجلس النواب المخصصة لمناقشة مشروع قانون موازنة 2026، حيث استحضر بعض النواب مواقف أمين عام الحزب الشيخ نعيم قاسم حول دعم ايران في حال تعرضها لضربة اميركية، واستحضر نواب الحزب العجز الحكومي عن وقف الاعتداءات الاسرائيلية وتفعيل لجنة الميكانيزم ما ادى الى سجالات سياسية داخل الجلسة، لكن كل هذا الصخب الداخلي لم يحجب حقيقة استمرار الاعتداءات الاسرائيلية منذ ليل امس الاول وحتى يوم امس وسقوط مزيد من الشهداء ومزيد من الدمار، وحقيقة محاولات تحريك الميكانيزم التي لا زال الغموض يحيط بشكل وطبيعة التفاوض فيها نتيجة موقف الاحتلال الاسرائيلي الذي يطرح مفاوضات ثنائية مع لبنان.
وقد أوفد الرئيس جوزاف عون امس مستشاره العسكري العميد المتقاعد انطوان منصور للقاء مساعد رئيس اللجنة الخماسية لمراقبة اتفاق وقف الاعمال العدائية في الجنوب الميكانيزم العقيد الأميركي ديفيد ليون كينغسميث في حضور ملحق الدفاع في السفارة الاميركية في بيروت العقيد جيسبون بيلكناب في السفارة الأميركية في عوكر.وحسب بيان لرئاسة الجمهورية: تم خلال اللقاء عرض تطور عمل اللجنة والتعاون القائم بين الجانب اللبناني وبينها في اطار تطبيق الأهداف التي أنشئت من اجلها. كما تم التأكيد على الأهمية التي يوليها الرئيس جوزاف عون لعمل اللجنة لتثبيت الاستقرار والامن في البلاد.
والى ذلك، ظهرت حقيقة مخاطر إحتمال تأجيل انعقاد مؤتمر دعم الجيش في حال لم تنفذ المرحلة الثانية من ملف حصرية السلاح شمالي نهر الليطاني وفق المطلوب اميركياً واسرائيلياً ومن دول اخرى، ربطاً بما سيتبين في تقرير الجيش الشهر المقبل حول المرحلة الثانية، حسبما قالت مصادر دبلوماسية لـ «اللواء»، التي اضافت: ان مؤتمر دعم الجيش لا زال قائماً في موعده في 5 آذار من حيث المبدأ، لكن لا يمكننا إنكار موقف الولايات المتحدة الاميركية والمملكة السعودية بشكل خاص بإعتبارهما من المساهمين الاساسيين الى جانب فرنسا في دعم الجيش والتحضير للمؤتمر.ولذلك كل شيء مرتبط بما سيعود به قائد الجيش العماد رودولف هيكل من واشنطن.
وفي السياق، وقبيل سفره المرتقب الى واشنطن الاثنين المقبل، ويسبقه بحسب ما افادت مصادر متابعة وفد من الضباط خلال اليومين المقبلين تحضيراً للزيارة ولمتابعة اعمال لجنة الميكانيزم، استقبل قائد الجيش امس، قائد قوة المهام المشتركة للعمليات الخاصة في القيادة المركزية الأميركية اللواء مايسون دولا مع وفد مرافق، وتناول البحث سبل التعاون بين الجيشَين اللبناني والأميركي، والتطورات في لبنان، إضافة إلى الأوضاع العامة في المنطقة.
كما استقبل هيكل المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جانين بلاسخارت وتناول البحث الأوضاع في البلاد، والتحضيرات لمؤتمر دعم الجيش. كما زارت بلاسخارت الرئيس جوزاف عون، وجرى بحث الأوضاع العامة في الجنوب في ضوء إستمرار الإعتداءات الإسرائيلية، واكدت للرئيس عون مواصلة العمل لتثبيت الاستقرار والأمان في الجنوب.
ولاحقاً، التقى وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى السفير الفرنسي في لبنان هيرفيه ماغرو، وكان عرض للتطورات الراهنة في لبنان والمنطقة، إضافة إلى البحث في التحضيرات الجارية لمؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني. كذلك تم عرض المرحلة الثانية من خطة الجيش لحصر السلاح وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، ومهام قوات اليونيفيل في جنوب لبنان وسبل تفعيل دور لجنة الإشراف على تطبيق وقف الأعمال العدائية ميكانيزم في ظل الخروقات والانتهاكات الإسرائيلية اليومية لهذا الاتفاق. كما جرى الحديث عن مرحلة ما بعد انتهاء مهام قوات اليونيفيل في جنوب لبنان، والخيارات المطروحة بشأن أي حضور دولي محتمل لمواكبة تنفيذ القرار 1701.
جلسات الموازنة: الأرقام تغيب والسياسة مكانها
ويعود مجلس النواب الى متابعة مناقشة الموازنة، عند الساعة 11 من قبل ظهر اليوم من دون تسجيل اي تحركات في الشارع المحيط بالمجلس وسط بيروت، لأسباب عزتها مصادر نقابية «ببرودة الطقس واحتمال هطول الامطار»، على ان تُستأنف التحركات غداً في جلسة التصويت على الموازنة.
وبمحصلة اليوم الاول، يمكن القول ان مناقشات الموازنة ليست مجرد قانون مالي، بل مرآة لأزمة نظام ، حيث تختلط الحسابات المالية بالصراعات السياسية، وتتقدم الانقسامات على أي مقاربة إصلاحية شاملة.
فقد انطلقت أمس جلسات المناقشة في مجلس النواب برئاسة الرئيس نبيه بري، وسط أجواء عكست صعوبة الفصل بين الوضعين المالي والسياسي. فعلى الرغم من أن الجلسة كان يفترض بها أن تكون مخصصة للأرقام، والإيرادات، والنفقات، وخيارات الدولة المالية، إلا أن نقل وقائع الجلسة على الهواء مباشرة واعتقاد النواب انها تكاد تكون فرصتهم الأخيرة قبل الانتقال الى مرحلة التحضير لخوض غمار الانتخابات النيابية المقبلة جعل النقاش النيابي يخرج عن الإطار التقني ليتحول إلى منبر سياسي بامتياز.
المداخلات النيابية توزعت على أكثر من محور، كان أبرزها ملف السلاح، الذي عاد ليتصدَّر النقاش من زاوية الموازنة ودور الدولة وقدرتها على بسط سلطتها، في ظل استمرار الانقسام الداخلي حول مفهوم السيادة وحصرية القرار الأمني. هذا العنوان، وإن لم يكن جديداً، حضر بقوة في الجلسة، كما أثار كلام الأمين العام لـ«الحزب» الشيخ نعيم قاسم حول دعم إيران في حال تعرضت لهجوم اميركي – اسرائيلي، تفاعلات واضحة داخل القاعة العامة، حيث جرى ربط هذا الخطاب بالتحولات الإقليمية وبالعلاقات الخارجية للدولة، وقد ادى هذا الموضوع الى اندلاع سجال حاد بين النائب فراس حمدان وعدد من نواب «الحزب» خصوصاً بعد ان تناول حمدان مسألة التظاهرات في إيران، وكاد ان يتحول هذا السجال إلى اشتباك سياسي مفتوح داخل القاعة، بعد ان دخل على خطه عدد من النواب الداعمين لحمدان في مواجهة النائبين إيهاب حمادة وعلي فياض من كتلة «الوفاء للمقاومة» ما استدعى تدخّل الرئيس بري لقطع حبل هذا السجال وضبط الإيقاع. ومنع انزلاق الجلسة إلى مواجهة سياسية لا تخدم مسار مناقشة الموازنة في هذه المرحلة الخطيرة. إلا أن هذا التدخل، بحد ذاته، أضاء على حجم الاحتقان الكامن تحت السطح، وعلى أن المجلس النيابي بات ساحة تعكس كل تناقضات البلد، من السياسة الخارجية إلى الأوضاع المعيشية، مروراً بالسلاح ودور الدولة.
وإلى جانب العناوين السياسية، برز ايضا ملف الانتخابات النيابية، والملف الاجتماعي بقوة، ولا سيما مطالب المتقاعدين العسكريين والمدنيين الذين تجمهروا في محيط مجلس النواب، وقد حضرت مطالبهم في مداخلات عدد من النواب كعنوان ملحّ لا يمكن تجاوزه. حيث شدد المتحدثون على أن أي موازنة لا تأخذ في الاعتبار أوضاع هذه الفئات، في ظل التدهور الحاد في القدرة الشرائية وتآكل الرواتب، ستكون موازنة قاصرة، وتفتقد إلى الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية.
وشهد وسط بيروت تحركاً تصعيدياً للعسكريين المتقاعدين، احتجاجاً على ما يعتبرونه تجاهلاً رسمياً لمطالبهم المعيشية والحقوقية، ولا سيما تلك المتعلقة بالمعاشات التقاعدية والتعويضات التي لم تُدرج ضمن الموازنة.
تمويل إضافي دولي
اعلن البنك الدولي في بيان: أن مجلس المدراء التنفيذيين للبنك الدولي وافق أمس، على تمويل جديد بقيمة 350 مليون دولار لمساعدة لبنان على تلبية الاحتياجات الأساسية للفئات الفقيرة والأكثر احتياجاً خلال مرحلة التعافي الاقتصادي والمالي، وتحسين تقديم الخدمات العامة عالية الأثر من خلال التحول الرقمي للقطاع العام. ويغطي هذا التمويل مشروعين جديدين يهدفان إلى إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين من خلال توفير الحماية الاجتماعية للفئات الفقيرة، وتعزيز الإدماج الاقتصادي للنساء والشباب والفئات الأكثر احتياجاً، وتعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية، وتسريع وتيرة رقمنة الخدمات العامة الرئيسية.
شهيد وقنابل صوتية عند قرى الشريط
ميدانياً، سقط مواطن في المنطقة ما بين باتوليه وعين بعال شهيداً بقصف من مسيَّرة في البستان الذي كان يعمل فيه، ويدعى حسين مارديني من بلدة الشعيتية.
وألقت محلّقة معادية قنبلة صوتية على بلدة الضهيرة، كما استهدفت احد رعاة الماشية في اطراف بلدة رميش، و«حيس الكساير» في بلدة ميس الجبل.
وأعلنت قيادة قوات «اليونيفيل» في بيان لها: أنّه، منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، سُجّلت آلاف الانتهاكات للقرار 1701، محذّرة من أنّ هذا الواقع يعرّض الهدوء الهش القائم في الجنوب لخطر الانهيار. واكدت «مواصلة دعمها للاستقرار في جنوب لبنان، تنفيذًا لمندرجات القرارين 1701 و2790 الصادرين عن مجلس الأمن الدولي، وذلك في إطار المساهمة في ضمان الأمن والاستقرار للجميع».وأوضح البيان أنّ «حفظة السلام يواصلون تنفيذ دوريات منتظمة، ومراقبة التطورات الميدانية على طول الخط الأزرق، إضافة إلى رفع تقارير إلى مجلس الأمن حول أي انتهاكات يتم رصدها».
********************************************
افتتاحية صحيفة الديار
ميشال نصر
لبنان في العاصفة: لا مخرج قريب
جلسة الموازنة تكشف عمق الانقسام بين الدولة والشارع
هجوم مضاد لاستعادة «الميكانيزم»
على وقع التصعيد المفتوح في المنطقة، يعود لبنان، المتروك مجددا أمام قدره المعلّق بين تسويات مؤجلة وانفجارات محتملة، ليتصدر واجهة الاشتباك غير المباشر، لا بوصفه لاعباً، بل كساحة اختبار إضافية لتوازنات القوة، الآخذة في التبدل. ففي مشهد يختصر الواقع الداخلي «المشربك»، انعقدت جلسة مجلس النواب لإقرار موازنة 2026، لتسيير ما تبقى من مؤسسات، على وقع صخب الشارع الغاضب، حيث تلاقت الهتافات مع أصوات النقاشات، في دولة تناقش أرقامها فيما شرعيتها تتآكل في الشارع.
في الموازاة، تستمر مفاعيل «تعليق عمل» الميكانيزم، الذي اسقط ما تبقى من مسارات ضبط الوضع، فاتحا الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد الميداني، عبر عمليات عسكرية تتوسع شمال وجنوب الليطاني، في مؤشر واضح إلى أن تل أبيب قررت رفع السقف، مستفيدة من الغطاء الإقليمي والدولي، ومن هشاشة الداخل اللبناني وانقسامه.
وسط هذا المشهد، تتحضر واشنطن لإطلاق خطة جديدة للبنان، لا تنفصل عن سياق التصعيد ولا عن التحولات العسكرية في المنطقة. خطة يُخشى أن تكون أقرب إلى إدارة أزمة طويلة الأمد منها إلى مشروع إنقاذ فعلي، قائمة على معادلة الضغط والاحتواء، تضع لبنان عند تقاطع مصيري: تصعيد إقليمي يتدحرج، عدوان إسرائيلي يتمدد، وتماسك داخلي هش.
المواجهة حتمية؟
فكل شيئ في الاقليم يوحي بأن الحرب ضد إيران قد اقترب موعدها: الاستعدادات اللوجستية القائمة على قدم وساق، الحشد العسكري الأميركي غير المسبوق في المنطقة، منذ حرب الخليج الثانية، الاتصالات العسكرية على خط واشنطن – تل أبيب، وتعليق شركات الطيران العالمية رحلاتها الليلية إلى بعض دول المنطقة.
غير ان تجارب الحروب عبر التاريخ، من جهة، وتقلبات الرئيس دونالد ترامب، من جهة ثانية، وقلق دول كثيرة، من جهة ثالثة، تعلمنا أن الأمور قد تتغير في ربع الساعة الأخير، وسط حديث عن فتح قنوات اتصال لتفادي الحرب، بوساطة روسية، نجح في فتحها مستشار الرئيس دونالد ترامب الى موسكو، الجمعة الماضي، ستيف ويتكوف.
حتى الآن الرئيس الأميركي يتحدث عن إنهائه سبعة حروب وعن رغبته بالسلام الشامل هذا أمر مهم وجيد وربما ينعش أمال السلام والرفاهية والاستقرار عند البعض. فعن أي سلام يتحدث؟ ومن سيخدم؟ المنطقة وشعوبها أم مصالح واشنطن وتل ابيب؟ ثم ماذا لو نجح ترامب ونتانياهو في إسقاط النظام الإيراني ودخلنا بالفوضى؟ أم أن نتانياهو سيشعر بأن مشروعه لإقامة إسرائيل الكبرى قد اكتمل ويتصرف كسيد المنطقة بلا منازع؟ هل سنكون أمام تغييرات استراتيجية كبرى تعيدنا إلى عصر سايكس بيكو أو أسوأ منه وسط نذر التقسيم التي تلوح في كل مكان؟ والسؤال الأهم ماذا عن لبنان؟ وكيف سيكون مصيره بعد هذه الحرب أو الصفقة لو وقعت؟
جلسة الموازنة
والى الداخل، الذي سجل امس جلستين نيابيتين، قبل الظهر وبعده، لمناقشة الموازنة العامة، في الظاهر، انما الاهم فرصة ليدلي كل نائب بدلوه عشية الانتخابات النيابية العتيدة، حيث عكست كلمات ممثلي الامة، حجم التباين المالي والسياسي حول مشروع الموازنة، وصولًا إلى سجالات حادّة طغى فيها الشقّ السياسي على النقاش المالي.
سجال داخل القاعة
فكلمة النائب فراس حمدان فجّرت سجالًا سياسيًا داخل القاعة، لا سيّما عند تطرّقه إلى ملفات تتجاوز الموازنة، لتصل الى التظاهرات في إيران، إضافة إلى عبارات اعتُبرت استفزازية من قبل نواب «الوفاء للمقاومة»، ما دفع برئيس المجلس الى الطلب أن يكون الكلام موجّهًا إليه مباشرة وأن يُحصر النقاش بالموازنة. ومع استمرار النقاش على هذا المنحى، اعترض النائب علي المقداد معتبرًا أنّ ما يحصل «حملة انتخابية داخل المجلس»، طالبا حذف ما قيل من المحضر، مشددًا على عدم جواز الحديث عن «دولة صديقة للبنان» من منبر البرلمان.
كما قال النائب علي فياض إن الأصول تفرض عدم التطرّق إلى هذا النوع من المواضيع داخل المجلس، داعيًا من لديه موقف سياسي إلى التعبير عنه في مؤتمر صحافي بدلًا من التعرض لدولة أخرى داخل الهيئة العامة.
في المقابل، ردّ النائب سامي الجميّل بالقول إن كل نائب «حرّ أن يقول ما يريد» ولا يجوز مقاطعته. كذلك تدخّل عدد من نواب الكتائب، بينهم النائب الياس حنكش، معتبرين أن حق الكلام مكفول داخل المجلس وخارجه، كما تدخّل النائب حبيب صادق بالموقف نفسه، لينتهي النقاش، بتدخل بري، بعد ارتفاع حدّة الأصوات، عند هذا الحد.
تحرّكات بالتزامن مع الجلسة
وبالتزامن مع انعقاد الجلسة، وفي موازاة التحرك الاحتجاجي للعسكريين المتقاعدين، شهدت ساحات بيروت تظاهرة حاشدة نظّمها موظفو القطاع العام، رفعوا خلالها شعارات مطلبية ضاغطة رفضًا للسياسات المالية المطروحة، وتحذيرًا من تداعياتها على رواتب وأوضاع العاملين في القطاع العام، الذين اكدت اوساطهم «أنّ النزول إلى الشارع جاء بعد أشهر من الوعود غير المنفّذة، وأنّ الخيارات التصعيدية تبقى مفتوحة في حال الإخلال بالتعهّدات الحكومية»، كما عمد محتجون في شكا إلى قطع المسلك الغربي للأوتوستراد لبعض الوقت عبر إطارات مشتعلة، في إطار التحركات الاعتراضية.
من جهتها رات مصادر العسكريين المتقاعدين أنّ «عدم تلبية المطالب التي سبق أن وافقت عليها الحكومة سيُقابل بتصعيد مفتوح في الشارع»، مشددة على أنّ «لا سقف زمنيا للتحرّكات، والناس لم يعد لديها ما تخسره»، محذرة أنّ «التحرّك الحالي سلمي، لكن هذا لا يعني أنّ كل التحرّكات المقبلة ستكون كذلك، حيث بنك الاهداف كبير وموجع»، داعية إلى «أخذ هذا الواقع على محمل الجد، ولا سيّما في ظلّ اقتراب الاستحقاقات الانتخابية»، مهددة «النواب الذين لا يلبّون مطالب الناس لن يحظوا بأصواتهم».، خاتمة « «القضية هي قضية كرامة وعنفوان».
موقف لبنان
في الاثناء استمر الشغل الشاغل، على الصعيدين الداخلي والخارجي، منصبا على معرفة حقيقة موقف الحزب والخطوات التي يعتزم القيام بها، في حال الانفجار الاقليمي، خصوصا ان كلمة الامين العام للحزب الاخيرة، زادت المشهد ضبابية، حيث نقلت مصادر مواكبة، نقلا عن دبلوماسي اوروبي «شرقي»، مقيم في دمشق، قوله امام زميله، في سفارة بلاده في بيروت، خلال زيارته لها، قبل ايام، «عن عملية خطيرة مقبلة على لبنان، تشمل تقدما بريا قد يتخطى نهر الليطاني»، متقاطعا، مع تقارير استخباراتية «اقليمية»، وصلت الى العاصمة اللبنانية، اشارت الى ان «اي ضربة ضد ايران، ستبدأ من لبنان، عبر هجمات ينفذها الجيش الاسرائيلي ضد القواعد الخلفية للحزب وصولا الى الضاحية الجنوبية، بهدف ارباك الوضع الداخلي اللبناني، عبر التسبب بموجات نزوح وتهجير».
«الميكانيزم» تابع
وسط هذا الجو، استمر الهجوم اللبناني المضاد، في محاولة لاعادة الروح الى لجنة «الميكانيزم»، التي على الرغم من حسم قرار حصرها بالعسكريين، في حال تقرر عودتها الى الاجتماع، الا انه لم يحدد اي موعد لها حتى الساعة، خلافا لكل ما يسرب، وفقا لمصادر متابعة، والتي كشفت ان الموقف الاميركي بشانها نابع من الموقف اللبناني نفسه، «بان شمال الليطاني غير جنوبه»، وبالتالي استنادا الى التقارير اللبنانية بانتهاء المهمة في هذا «القطاع»، فان الميكانيزم باتت بحكم التصفية مع انجازها لوظيفتها وفق المفهوم اللبناني، حيث ان عملها التقني والعسكري لا يشمل شمال الليطاني، باستثناء بعض الحالات السابقة فيما خص الضاحية الجنوبية وبالتالي بات من الضروري ايجاد هيكل تفاوضي جديد لبحث باقي النقاط «غير العسكرية» من اتفاق 27 تشرين.
لقاء عوكر
في هذا السياق، جاء لقاء المستشار الأمني والعسكري لرئيس الجمهورية، العميد المتقاعد انطوان منصور، مساعد رئيس اللجنة الخماسية لمراقبة اتفاق وقف الاعمال العدائية في الجنوب «الميكانيزم» العقيد الأميركي David Leon Klingensmith في حضور ملحق الدفاع في السفارة الاميركية في بيروت العقيد Jason Belknap في السفارة الأميركية في عوكر، حيث تناول البحث عمل اللجنة والتعاون القائم بين الجانب اللبناني وبينها، والتأكيد على أهمية عملها لتثبيت الاستقرار والامن.
زيارة هيكل
في غضون ذلك، تكشف المعطيات، أنه في حال بدأ الهجوم ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتقرر أن تمتد لأيام، فإن جميع المواعيد المحددة للقيادة العسكرية اللبنانية في واشنطن سيتم إلغاؤها، نتيجة انشغال البنتاغون والقيادة الوسطى بسير العمليات العسكرية على الأرض.
وفي هذا الاطار كشفت مصادر دبلوماسية بأن واشنطن والرياض، لن تضعا كامل ثقلهما في مؤتمر دعم الجيش اللبناني، في ظل مقاربة حذِرة للمسار الحالي، رغم تسجيل حراك قطري – مصري في الكواليس، يهدف إلى تعديل المسار المطروح والعمل على توحيد موقف الدول المعنية، بما يفضي إلى مقاربة مشتركة وعلى موجة واحدة تجاه ملف دعم الجيش اللبناني، مؤكدة أن زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى الولايات المتحدة الأميركية، ستحدّد مستوى الدعم الذي سيحصل عليه الجيش في مؤتمر باريس مطلع آذار المقبل.
تصعيد ميداني
مخاوف عززها الواقع الامني المتفجر، مع تكثيف وتيرة الغارات، على مناطق واسعة في الجنوب، تركز معظمها شمال نهر الليطاني وجنوب نهر الأوّلي، في رسالة واضحة، ليس فقط إلى الحزب، بل أيضًا إلى الدولة اللبنانية والجيش اللبناني، في إطار التلويح بمرحلة جديدة قد تتّجه نحو فرض معادلات بالقوة، وعلى رأسها ملف «حصر السلاح» بين النهرين، في ظل استعداد جهات دولية للمضي بخيارات أكثر حدّة إذا اقتضت التطورات ذلك، وفقا لاوساط مطلعة، جازمة بأنّ إسرائيل ستكون حاضرة في أي مواجهة، خاتمة بان واشنطن ليست في وارد الضغط على تل ابيب في الوقت الحالي، فيما خص الملف اللبناني، اذ ما يحصل هو العكس تماما، مع «تلزيم» تل ابيب الساحة اللبنانية، وهو ما سيتظهر بشكل واضح خلال الاسابيع القادمة، خصوصا في حال نفذت الضربة ضد طهران.
تمويل جديد
وبين الاستثمارات المرتقبة، مع جرعة الدعم القطري، والتوترات الأمنية المتصاعدة، تتداخل فرص الدعم الخارجي مع تحديات الداخل، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من تطورات حاسمة على أكثر من مستوى، حيث كشفت وكالة رويترز عن موافقة البنك الدولي على تمويل جديد بقيمة 350 مليون دولار للبنان لدعم الفقراء والخدمات العامة.
********************************************
افتتاحية صحيفة الشرق
سجالات مفتوحة بين النواب والحكومة في جلسة الموازنة
بدأ مجلس النواب أمس، جلسة مناقشة الموازنة العامة للعام 2026 برئاسة الرئيس نبيه بري، في جلستين نهارية ومسائية، على ان تستمر اليوم وغدا الخميس لإقرارها. افتتحت الجلسة، بدقيقة صمت عن روح النائب السابق مسعود الحجيري. وبعدها تليت مواد النظام الداخلي المتعلقة بالموازنة. واعطيت الكلمة لرئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان الذي تلا تقرير اللجنة.
وشرح كنعان في التقرير مسار عمل لجنة المال والموازنة على مدى 26 جلسة، مسجّلاً غياب الرؤية الاقتصادية والاجتماعية لمشروع الموازنة المحال إليها، وتدني نسبة الاعتمادات المخصصة للنفقات الاستثمارية، لاسيما في ضوء إرجاء اعتمادات الدفع لخمسة عشر قانون برنامج بما يعادل أكثر من /772/ مليار ليرة لبنانية، تدني نسبة الاعتمادات المخصصة للأجهزة الرقابية المولجة بمراقبة أعمال السلطة التنفيذية.
ولفت الى ان «لجنة المال علّقت بت الفصل الخاص بقوانين البرامج وطلبت من الحكومة تقييماً شاملاً لهذه المشاريع لجهة الجدوى والتنفيذ، علماً أن من أسباب الانهيار عشوائية هذه البرامج». واوضح ان «معظم الوزارات والإدارات والمؤسسات تقدّمت بطلبات زيادة لاعتماداتها ما يدل على تسرّع الحكومة في احالة المشروع للبرلمان وخرق مبدأ التضامن الوزاري بالتزام مشروع الحكومة بعد احالته للبرلمان». وقال :»ان القوانين المالية الحساسة تحتاج الى تروي الحكومة في درسها وعدم التسرع بإحالتها كما حصل مع الموازنة أو قانون الفجوة المالية الذي حتى صندوق النقد الدولي ابدى ملاحظات عليه».
وطالب بسلسلة رواتب جديدة للقطاع العام ، معتبرا ان «ما خرب الاقتصاد ليس سلسلة الرتب والرواتب سابقا بل التوظيف العشوائي في القطاع العام والهدر على مستوى السلطة التنفيذية، بالاضافة إلى غياب القرارات القضائية في الملفات التي دقّقت بها لجنة المال وأحالتها». وقال: «طالبنا بالتدقيق الشامل في سلفات الخزينة وعلّقنا الاعتمادات المخصصة لتسديدها ولا سيما أن تسديدها يتم من دون أي مستندات ثبوتية لما أنفق، كما علّقنا بند عقد ايجار الاسكوا لأن المبالغ غير واقعية والتراكم وصل الى أكثر من 50 مليون دولار والمطلوب من الدولة التملّك بقانون برنامج بدل دفع الملايين سنوياً لإيجارات وهو إهمال يولّد هدراً». وشدد على ان الحكومات المتعاقبة لم تحترم الضوابط فمنحت سلفات خزينة مع علمها بان المؤسسات لا قدرة لها على التسديد واهملت اطلاع مجلس النواب على اعطاء السلفات. ولفت الى ان «الدولة يجب ان يكون لديها صندوق واحد وليس عشرات الصناديق وفي ذلك مخالفة من الحكومة والمصرف المركزي». وشدد ان لا «رقابة من دون حسابات مالية لنعرف ماذا صرف وكيف، فإلى متى ستستمر الحكومات المتعاقبة بوسم دولتنا بأنها بلا ذمة وبلا شرف لأنها بلا حسابات»؟
بو صعب: ثم كانت كلمة لنائب رئيس مجلس النواب الياس بوصعب، أِشار فيها الى انه «منذ بداية الأزمة المالية لم نستطع القيام بالـ Capital control وهيكلة مصارف، ولم نعترف بالدين العام ولا بالفجوة المالية، وكل النظام يتحمّل المسؤولية من 6 سنوات لليوم». وطالب بانصاف المعتصمين خارجا وخصوصا العسكريين المتقاعدين».
عدوان: وكانت كلمة النائب جورج عدوان الذي رأى انه «إذا أقررنا الموازنة من دون قطع حساب يكون ذلك مخالفاً للدستور وكتكتل لن نفعل ذلك». وأشار الى ان «اي رهان على وجود تنظيمات خارج الدولة هو خارج السياق كليا ونحن على مفترق طرق اما ننخرط في الدولة أو سنعاني جميعنًا من مشكلة في الحاضر والمستقبل». ودعا الى «ايجاد حل للوضع الامني واستعادة ثقة الناس من خلال اعادة الودائع».
بري: ورد بري على النائب جورج عدوان بالشأن المتصل باتفاق وقف النار والقرار 1701 فقال: «لبنان قام بواجباته كاملا ولكن إسرائيل لم تلتزم بشيء؟».
ثم كانت مداخلات لنواب بقيت تحت السقف ولم تتخط المألوف، بعضهم ركز على وجوب ألا تدار الموازنة بالعقلية القديمة، وهي كسابقاتها تأتي لإدارة الأزمة لا للخروج منها . وتحدث عدد من النواب عن الوضع جنوبا والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة وعدم لحظ الموازنة لملف اعادة الإعمار. وسأل بعضهم: هل هي موازنة لبنان أو موازنة إيران؟ مركزين على وجوب التأسيس لخطة نهوض اقتصادية واجتماعية. وأكدت مداخلات على ضرورة دعم التعليم الرسمي، وإنهاء بدعة التعاقد، وعدم ترك العسكريين والعاملين والعمل على انصافهم، مشددين على ان الدولة لا يمكنها الاستقالة من دورها في الرعاية الاجتماعية تحت أي ضغط. كما ركزت مداخلات على ان ما يحتاجه لبنان في هذه الأيام، هو الحد الأدنى من التماسك الوطني وترميم البيت الداخلي. وأثارت مسائل وقضايا حياتية اجتماعية وانمائية ومعيشية، في حين لفت نواب الى انه لا تستقيم عجلة الدولة من دون قطاع عام منتج واي مس بحقوق التقاعد سيكون له تداعيات سلبية، وضرورة مقاربة ملف التفرغ في الجامعة اللبنانية على أساس الكفاءة لا الطائفية. وفي الجلسة المسائية، تحدث عدد من النواب، وأمل بعضهم من رئيس الوزراء نواف سلام أن يقول في نهاية الجلسات، كيف ستتمكن الحكومة من المواءمة بين زيادة رواتب القطاع العام وتحقيق الإصلاحات في هذا القطاع.
