
“أساس وثيقة التفاهم كان لبننة خيارات الحزب وسلاحه، من خلال الشراكة وبناء الدولة والدفاع عن لبنان. سقط التفاهم لمّا سقطت هالمداميك.
وحدة الساحات وحرب الإسناد دمروا الحزب ولبنان وأسقطوا الوظيفة الردعية للسلاح. مُحزِن نشوف اليوم تكرار جريمة توريط لبنان بدمار جديد بدل تحييده وحمايته”.
كان الأجدى برئيس التيار الوطني الحر وقبله وفوقه الرئيس السابق للجمهورية اللبنانية المؤسس ميشال عون، أن يعلنا سقوط التفاهم في أيامه الأولى مع سقوط مداميكه المزعومة “باللبننة” والشراكة وبناء الدولة مع وحدة الساحات والمسار والمصير مع محور سوريا وإيران والاتجاه شرقًا والمقاطعة عربيًا خليجيًا وغربًا، وأن يعلنا في الأيام الأولى عن سقوط مدماك “التفاهم” الأساسي عن السلاح في وجهته الردعية للعدو والدفاعية عن لبنان، مع مروحة كبيرة واسعة من الانحرافات بدأت وما زالت من الداخل اللبناني ولم تنته حتى الآن في الدول الخارجية العربية الخليجية والأوروبية والأميركية الغربية وحتى الإفريقية، والتي حصلت قبل وقت طويل من إعلان وحدة الساحات بعد طوفان الاقصى في السابع من تشرين الأول من العام 2023… واستمرت بعده.
بالنسبة لادعاء باسيل زورًا رفضه المبدئي لانخراط “الحزب” في حروب خارج الدولة وخارج الدفاع عن لبنان “كما ورد في ورقة التفاهم” في 6 شباط من العام 2006، فإن الوقائع تدحض هذا الادعاء كما أن التاريخ الحديث والقريب ينبري مواجها مكذّبًا للمتقلّب المدّعي.
فبوهج سلاح “الحزب” والتهديد به في الداخل، اشترك تيار عون ـ باسيل بالتضامن والتكافل والتبعية في انقلاب الثالث والعشرين من كانون الثاني من العام 2007، معتديًا على المواطنين، مقفلًا للطرقات، محتلًا للساحات، مطوّقًا للمقر السيادي في السراي الحكومي، ممهدًا لانحراف آخر في غزوة الحزب المسلح في 7 أيار من العام 2008 تحت شعار رفعه حسن نصرالله، مبررًا “السلاح للدفاع عن السلاح”، ليعتبر يومها مؤسس التيار بأن “السلاح” المدماك الذي أصبح “غاية” في شوارع بيروت والذي أودى بحياة أكثر من 70 مواطن لبناني قد “وضع القطار على السكة الصحيحة”… كذلك في 28 آب من العام 2008 يوم سقط الضابط الطيار سامر حنا على يد “الحزب” فوق تلة سج، لم يسأل باسيل ولا ميشال عون لماذا سقط مدماك “ردع العدو” وشيّد مكانه استهداف ضابط في الجيش اللبناني وبدم بارد ومن مسافة قصيرة، بل على العكس، إذ سأل يومها ميشال عون مغطيًّا “الحزب”: “ماذا تفعل طوافة الجيش اللبناني فوق تلة سجد؟ ويجب بالتحقيق مع قيادة الجيش”.
وفي نفس إطار تأكيد سقوط المداميك منذ ما قبل “انقلاب جبران باسيل”، من الضروري أن نعود الى ما نقلته صحيفة السفير بتاريخ 17 تموز من العام 2010 عن النائب العماد ميشال عون، دعوته “الحزب” لاجتياح المناطق المسيحية لقلب الطاولة وفرضه (أي عون) رئيسًا للجمهورية، ذلك أن عون أبدى تخوفه من سيناريو دراماتيكي، تتداخل فيه عناوين المحكمة وإسرائيل والداخل اللبناني، ويتمثل ذلك في تحضير بيئة سياسية داخلية للقرار الظني عبر نظرية “المجموعة غير المنضبطة”، ويترافق ذلك مع توتير داخلي لبناني لبناني، ولبناني فلسطيني، وعند صدور القرار الظني، يبدأ العد العكسي لعمل عسكري إسرائيلي واسع النطاق، تصبح معه المقاومة أسيرة النار الإسرائيلية من جهة ونار الفتنة الداخلية من جهة ثانية، ويصبح جمهورها من جهة ثالثة، رهينة النارين. وأبدى عون مخاوفه من أن يتقاطع القرار الظني والعدوان الإسرائيلي مع تحرك مجموعات عسكرية في الداخل اللبناني وخاصة في البيئة المسيحية، من أجل فرض أمر واقع جديد في المناطق المسيحية، وفي الوقت نفسه، تنبري بعض المجموعات الأصولية خاصة في المخيمات الفلسطينية، لرسم وقائع جديدة في ساحات محددة، ويصبح مشروع الفتنة في لبنان مفتوحًا على أكثر من احتمال. وفي مواجهة هذه المعطيات، طلب عون من حلفائه وخاصة من “الحزب” أن يعد العدة للفتنة الآتية، وأن تكون باكورة الاستعداد إعادة النظر بالتركيبة الحكومية الحالية، ذلك أن حكومة كهذه لن تكون قادرة على مواجهة الفتنة، بل هناك فريق وازن فيها يراهن على الفتنة ويعمل من أجلها وربما يكون دوره تغطيتها. وقال عون مخاطبًا نصر الله: “يريدون قتلكم مجددًا يا سماحة السيد. ممنوع عليكم أن تصرخوا أو أن تدافعوا عن أنفسكم. هناك فريق لبناني ما زال مراهنًا على حرب إسرائيلية جديدة، لذلك، أنا أنصحكم بتغيير قواعد اللعبة”، ليؤكد من وقّع على تفاهم “لبننة الحزب” قبل أربعة أعوام وفي 20 تموز من العام 2010 وبعد اجتماع تكتله، معلومات “السفير” بقوله: “هذا السيناريو لا أنفيه إطلاقًا وهكذا تخيّلته”… وكان العماد عون قد ترجم استدعاء السلاح لاستعماله لردع الداخل اللبناني المسيحي والسني والدرزي والاستفادة منه، مستقويًا به لمصالحه الضيقة داخل الحدود والرئاسة والوزارات والإدارات، بقوله في 14 آذار من العام 2013: “نحن أقوياء بالسلاح إذا شاؤوا”.
في الإطار نفسه، ومع انقلاب “الحزب” المسلح في العام 2011 بما عرف يومها بـ”القمصان السود” الذي استثمر السلاح في الداخل وفي السياسة واستفاد منه تيار عون ـ باسيل، لا ردعًا لعدو ولا دفاعًا عن جنوب أو ذودًا عن وطن، فقد عبّر الزعيم الدرزي وليد جنبلاط كاشفًا لباسيل سقوط هذا المدماك من يومها، بقوله في 28 أيلول من العام 2011: “ماذا أفعل إذا كان المسدس مصوبًا الى رأسي”.
كما أن مدماك الدفاع عن لبنان كان قد سقط قبلًا مع تغطية التيار ورئيسه ومؤسسه، انخراط سلاح “الحزب” ومسلحيه في سوريا، تحت ذرائع سقطت تباعًا من “دفاع عن لبنانيين في البلدات الحدودية” الى “حماية المراقد الدينية الشيعية” وصولًا الى إعلان أمينه العام حسن نصرالله “الملبنن” حزبه بالتفاهم وعلى خطى أبو اياد الفلسطيني “أن طريق القدس تمر بمضايا والقصير وحلب وحمص”، مع مواكبة إعلامية وسياسية داعمة تابعة من التيار، تؤكد على ذميته وتغطيته لانحراف وجهة السلاح بذرائع منها، “لولا تدخل الحزب في سوريا لكانت داعش في جونية”.
كذلك بعد تاريخ توقيع تفاهم “لبننة” الحزب، بحسب زعم التيار العوني، في 6 شباط من العام 2006 الذي اعتبرَ، عن خطأ وخطيئة المُوَقِّع المسيحي العوني، في بنده العاشر “أن السلاح يبقى وسيلة مقدّسة”… فقد غطى التيار وباسيله وعونه وحكمه وحكوماته انحراف وجهة سلاح “الحزب” عن الردع والدفاع في العراق واليمن والكويت والبحرين والسعودية وغيرها من الدول العربية والأوروبية والأميركيتين تحت عناوين وتسميات وتمويهات وذرائع كثيرة وشعارات الدفاع عن النفس والوطن والأمة وتحريرًا للقدس، ما أكد في الماضي الذي سبق استفاقة باسيل المصلحية ـ المسرحية من تحت قبة البرلمان. ويؤكد بعدها حتى لو عادت مياه العلاقة التبعية بـ”رعونة المحتاج” لمجاريها، في دوائر جبيل وبعبدا وزحلة والبقاع الغربي وجزين والمتن وكسروان والبقاع وبيروت الثانية، بان انحراف الوجهة وسوء الاستعمال وخوض الحروب خارج الحدود وبعيدًا مئات وآلاف الكيلومترات عن الجبهة المركزية المحاذية للعدو، إنما تصدر وما زالت من خارج الحدود ومن خارج المصلحة الوطنية اللبنانية وحتى الشيعية، خدمةً وتنفيذًا لأوامر الولي الفقيه الإيراني… ما ينسف مزاعم باسيل “السيادية” المدغدغة للوجدان المسيحي المقاطع لخيارات التيار ومحوره منذ ما قبل العام 2006.
أما في قول باسيل بأن “وحدة الساحات وحرب الإسناد دمروا الحزب ولبنان وأسقطوا الوظيفة الردعية للسلاح، فيرد عليه جبران باسيل شخصًيا، مبررًا مغطيًا، إذ يقول في 15 تشرين الأول من العام 2023: “إذا سألَ سائلٌ ما علاقة لبنان بكل هذا، لنقحِمَه ضدَّ اسرائيل، نُحيله الى شهداء الإعلام وجرحاه في جنوبنا منذ يومين، ونذكّرُّه بكل اعتداءات إسرائيل على وطنِنا التي ردعتها بسالة المقاومة، وما كنا لنتكلّم عن قوّة لبنان وثروته وغازه ونفطه، ونعمل لكي لا تطال المؤامرة حقل قانا حيث هو أفضل نموذج لتطبيق الاستراتيجية الدفاعية التي نريد؛ وندعو الى عدم التسرّع باستنتاجات خاطئة حول عدم وجود غاز في بحرنا، ونذكّر بمعادلتنا الثابتة، انّ لا غاز من كاريش من دون غازٍ من قانا، ومخطئ جدًا من يتصوّر او يصوّر لنا أنّ شرق المتوسّط عائمٌ على بحر من الغاز الطبيعي فيما الشاطئ اللبناني منقوص أو محروم منه”.. وفي 29 تشرين الأول من العام 2023 كان يقول: “عندما يدعو أحدهم الجيش كي يسحب ما يسميه المسلحين في هذه المرحلة، فكأنه يدعو إسرائيل لتجتاح لبنان”… وفي تماهي مع “الحزب” وتأييد للإسناد وتأكيد على الوظيفة الردعية له، يرد باسيل على نفسه مكذّبًا فاضحًا حقيقة موقفه في 20 شباط من العام 2024: “نقدّر معادلة الردع التي ثبّتها الحزب وانبثق منها قواعد الاشتباك وهي وحدها منعت حتّى الآن إسرائيل من الاعتداء الكبير على لبنان”.. وفي 24 تموز ينقض ما جاء في كلمته في مجلس النواب فيقول في 24 تموز من العام 2024: “ولكن هم يستشهدون، ونحن نعيش ونصيّف ببقية لبنان، ولو لم يستشهدوا كانت اجتاحتنا اسرائيل”… أما في 30 تموز كم العام 2024 فيردّ باسيل: “لم تحتج إسرائيل يومًا إعذارًا كي تعتدي على لبنان”، ليتبنى لاحقًا في حديث الى إذاعة مونتي كارلو، سردية “الحزب” برفضه في 19 تشرين الأول من العام 2025 التفريط بالسلاح من دون ثمن يؤمن تحصيل حقوق لبنان و حمايته، معتبرًا أنه “عندما يستعيد لبنان حقوقه وتتأمن الحماية لا تعود هناك حاجة للسلاح… والسلاح هو أحد عناصر القوة لحماية لبنان”.
على الرغم من ما أعلنه باسيل من “سقوط” و”اسقاطات” وسقطات، تبقى التحالفات المعقودة تحت إدارة ونير “الحزب” في الانتخابات النيابية والبلدية والنقابية والطالبية السابقة واللاحقة، تجعل مَنُ فَرِح بسماع باسيل اليوم، حزينًا في الغد القريب بعد أن جربه حليفًا لصيقًا تابعًا لـ”الحزب” على ما ورد اعلاه من وقائع، وسيرده لاحقًا من واقع…
.jpg)