
الغليان داخل صفوف حركة “أمل” يعتمل، بوتيرة تصاعدية. ما بدأ يخرج من الكواليس واللقاءات، الحزبية والأهلية، إلى العلن، ليملأ صفحات الجرائد والمواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، ليس تفصيلاً عابراً. جمهور “أمل” ما عاد يتحمّل الصمت تجاه الصفعات المتتالية التي يتلقاها الرئيس نبيه بري من “الحزب”. جمهور “أمل” لم يعد يستطيع “بلع الموس خلف الموس”، إذ وصل الأمر بجمهور “الحزب الإيراني”، كما بدأ يتردد، إلى حدِّ تخوين بري بالذات، وتحميله مسؤولية “اتفاق الإذعان” لوقف النار وإنقاذ الحزب من “حرب الإسناد”؛ التي كادت لا تُبقي ولا تذر لولا “الأخ الأكبر” الذي يتلقى اليوم الطعنات.
أوساط غير بعيدة عن الدوائر المقربة من الرئيس نبيه بري، ما تزال تصر على عدم “البوح” بكل “المكنونات المتأتية من الطعنات”، لكنها، بعد إلحاح واحتراماً لمصداقيتها، تلمّح “برأيها الخاص”، إلى أن ما يتعرّض له الرئيس نبيه بري من جمهور “الحزب”، “غير مقبول”، تحت أي حجة أو ذريعة، ولم يعد سراً أن بري “في قمة الغضب” بعد “خطاب إسناد إيران” الأخير، فيما “ما نزال نلملم جراحنا من “الإسناد السابق” لغزة”.
ما بدأ يتسرّب يذهب أبعد، إلى حدِّ اعتبار أنه قبل أن يكون كلام نعيم قاسم موجَّهاً إلى الرئيس جوزيف عون أو إلى رئيس الحكومة نواف سلام، فأول المصابين هو “الأخ الأكبر” الذي بذل ما لا يُبذل لوقف “حرب إسناد غزة” المدمّرة، فهل يُعقل أنه بينما كان يحاول أن “يُمسِّح” بعد نعيم قاسم وترطيب وتصحيح الجو مع الرئيس عون، أن يُطعن بالإعلان عن النية بتوريط لبنان بـ”حرب إسناد جديدة” لإيران هذه المرة؟!. أي أخ “أصغر” يطعن “أخاه الأكبر” هذه الطعنة، علماً أنها ليست الأولى؟!.
إعلاميون وكتاب كثر من بيئة حركة “أمل” باتوا يُصنّفون خونة وعملاء عند ناشطي “الحزب”، إذ لم يعودوا يناورون ويدوّرون الزوايا، بل باتوا يعلنون ويصرّحون ويطلقون اعتراضاتهم وانتقاداتهم الحادة من على الشاشات وعبر صفحات الجرائد والمواقع، لما يجرّ “الحزب” لبنان إليه مجدداً من موت ودمار وحرب، قد تكون “حرب الإسناد” الأولى مجرد نزهة بالمقارنة معها، وخصوصاً الجنوب والبقاع والضاحية، أي البيئة الشيعية بالتحديد.
مواقع التواصل تضج بمواقف وكتابات لجمهور “أمل”، تحمل الكثير الكثير من الحسرة والعتب والشعور بالخذلان والغدر من “الحزب” وناشطيه، بعد كل ما فعله بري، وبعدما سخّر الدولة بأسرها على مدى عقود لإعمار الجنوب، الذي دمّرته “المغامرات والحسابات الخاطئة”. يترحمون اليوم على داوود داوود، القائد الكبير ورئيس الهيئة التنفيذية في حركة “أمل” الذي رفض سيطرة طهران على قرار الجنوب والجنوبيين، وبعده على قرار لبنان، بالتواطؤ مع حافظ الأسد.
يتذكّر جمهور “أمل” كيف وقف داوود داوود وواجه وقاتل بشراسة توغل الحرس الثوري الإيراني، وأطلق صرخته الشهيرة في مهرجان صور منتصف الثمانينيات “فلتحترق طهران ويبقى الجنوب”، فكان “عقابه” الموت غدراً في 22 أيلول 1988؛ حيث استُهدف موكبه بعملية اغتيال في منطقة طريق الأوزاعي ببيروت، ومعه القياديان محمود فقيه وحسن سبيتي.
يدرك جمهور “أمل” اليوم، خصوصاً أهل الجنوب، أهمية صرخة داوود داوود قبل عقود، يوم بدأت محاولات التوغل الإيراني للسيطرة على قرار الجنوب ولبنان. يسألون: ماذا تريد منا إيران بعد؟، متى تشبع من دماء الشيعة اللبنانيين لتحقيق طموحاتها التوسعية الإمبراطورية؟، عزلت طهران نفسها عن العالم وعزلتنا معها وتمنعنا من الانعتاق، هل تريد قتلنا حتى آخر شيعي؟. وصل بهم الأمر إلى حدِّ تخوين الرئيس بري بعد كل ما فعله لهم!. ماذا فعلت لنا إيران خلال “حرب الإسناد”؟، هل حمتنا؟.
“كفى، شبعنا حروباً وتدميراً وإعادة بناء من جديد، ولا نعرف أساساً إن كان بإمكاننا بعد إعادة الإعمار في ظل هذه العزلة التي وضعونا فيها. بين الجنوب وطهران، بين لبنان وطهران، نعم وألف نعم، فلتحترق طهران ألف مرة ويبقى الجنوب ويبقى لبنان”؛ كلمات ما عاد يُهمس بها عند جمهور “أمل” وفي أوساط البيئة الشيعية داخل الغرف المغلقة، بل باتت تُطلق تحت ضوء الشمس، فكيف سيرد “الحزب”؟.
