Site icon Lebanese Forces Official Website

قانون الفجوة: إدارة للخسارة أم تأجيل للإصلاح؟

جوزيف زغيب – منسقية فرنسا

الأزمة المالية في لبنان ليست نتيجة صدمة خارجية، ولا مجرد تعثر ظرفي في السيولة، بل هي أزمة بنيوية داخلية أصابت هيكل النظام المالي والاقتصادي معاً. المسألة ليست سؤالاً تقنياً حول القدرة على الدفع في لحظة معينة، بل سؤالاً أعمق حول طبيعة النموذج الذي راكم الالتزامات أصلاً. ما انهار لم يكن فقط التوازن النقدي، بل العلاقة غير المستدامة بين الدولة والقطاع المصرفي والاقتصاد الحقيقي.

على مدى سنوات، لم يكن الخلل في حجم القطاع المصرفي بحد ذاته، بل في طبيعة تموضع أصوله وتركيز مخاطره. القسم الأكبر من الودائع لم يُوجَّه إلى تمويل اقتصاد منتج يخلق قيمة مضافة مستدامة، بل تمركز في تمويل الدين العام وعجز الدولة المتكرر. الدين لم يُستخدم فقط لدعم استقرار نقدي، بل لتمويل اختلالات مزمنة في قطاعات عامة ضعيفة الكفاءة، كالكهرباء وسواها، من دون إصلاحات بنيوية تعالج جذور المشكلة. هكذا نشأت علاقة عضوية بين المالية العامة والمصارف، حيث أصبحت الودائع مرتبطة مباشرة بقدرة الدولة على الاستمرار في الاستدانة.

عندما تراجعت الثقة وتوقفت التدفقات، لم ينكشف مجرد نقص في السيولة، بل ضعف البنية بأكملها. لم تعد المسألة مسألة دفع فحسب، بل مسألة تكوين أصول وخصوم ضمن نموذج غير مستدام. وفي هذا السياق، طُرح “قانون الفجوة” باعتباره إطاراً لتنظيم توزيع الخسائر. إلا أن التركيز على توزيع الفجوة قبل إعادة بناء الأسس يعكس ترتيباً معكوساً للمعالجة.

الفجوة ليست مجرد رقم يجب تقسيمه، بل نتيجة لبنية مالية غير متوازنة. تثبيت رقم للخسارة من دون إعادة هيكلة الدين السيادي أولاً يعني التعامل مع النتيجة قبل معالجة السبب. فالدين العام يشكل المكوّن الأكبر من أصول المصارف، والدولة هي الجهة الأكثر مديونية في النظام. أي إعادة نظر جدية في شروط هذا الدين ستنعكس مباشرة على ميزانيات المصارف وعلى حجم الخسارة الفعلية.

لكن حتى بعد إعادة هيكلة الدين، تبقى إعادة هيكلة القطاع المصرفي نفسه ضرورة أساسية. الإصلاح البنيوي لا يقتصر على إعادة توزيع الخسائر، بل يتطلب إعادة تنظيم القطاع بصورة جذرية. وهنا يبرز خياران مترابطان: الاندماج بين المصارف أو الحلّ المنظم للمؤسسات غير القابلة للحياة.

الاندماجات المصرفية ليست مجرد تقليص عددي، بل أداة لإعادة تكوين مؤسسات أكثر متانة، قادرة على تلبية متطلبات رسملة أعلى، وإدارة مخاطر أكثر انضباطاً، واستعادة قدر من الثقة. في الأزمات البنيوية، يُستخدم الدمج لخلق كيانات أقوى وأكثر قدرة على الاستمرار ضمن بيئة مالية جديدة.

في المقابل، لا يمكن الإبقاء على مصارف فقدت مقومات الاستمرارية بحجة الحفاظ على الشكل السابق للنظام. الحلّ المنظم سواء عبر التصفية المدروسة أو نقل الأصول الجيدة إلى كيانات جديدة يشكل جزءاً طبيعياً من أي عملية إصلاح جدية. الهدف ليس العقاب، بل حماية ما يمكن حمايته ومنع استمرار استنزاف الموارد في مؤسسات غير قابلة للحياة.

إعادة الهيكلة المصرفية، سواء عبر الدمج أو الحلّ، يجب أن تستند إلى تقييم واقعي للأصول بعد إعادة هيكلة الدين السيادي. عندها فقط يمكن تحديد أي المصارف قابلة للاستمرار وأيها يجب معالجته جذرياً. الحفاظ على البنية السابقة لم يعد خياراً. المطلوب إعادة تأسيس نظام مالي مختلف في طبيعته ووظيفته نظام يرتبط بالاقتصاد المنتج، يخفف تركّز المخاطر السيادية، ويمنع إعادة استخدام الودائع كأداة دائمة لتمويل عجز عام غير مُصحَّح.

الأزمة اللبنانية هي أزمة نموذج داخلي غير مستدام، لا أزمة دفع عابرة. توزيع الخسائر خطوة لاحقة، لا نقطة البداية. البداية تكون بإعادة هيكلة الدين السيادي، تليها إعادة تنظيم القطاع المصرفي عبر الدمج أو الحلّ المنظم، وصولاً إلى إعادة تأسيس نظام مالي سليم. من دون هذا المسار، يبقى أي قانون فجوة معالجة شكلية داخل نموذج فقد توازنه، لا مدخلاً فعلياً نحو استقرار حقيقي ومستدام.

Exit mobile version