.jpg)
يزور قائد مؤسّسة الجيش اللبناني الولايات المتّحدة الأميركيّة في الرابع من الشهر الحالي، في زيارة أقلّ ما يُقال فيها أنّها زيارة دعم للبنان. ولكن أيّ دعم ممكن أن تتوقّع الدّولة اللبنانيّة؟ وهل هذا الدّعم سيكون مشروطًا؟ وما هي هذه الشروط وما مدى إمكانيّة أو قدرة الجيش اللبناني على تحقيقها؟
ممّا لا شكّ فيه أنّ هذه الزّيارة التي تأخّرت، لكنّها عادت وحصلت وينتظرها اللبنانيّون جميعهم ليروا مدى جدّيّة الدّعم الأميركي لمؤسّسة الجيش اللبناني. فالفريق الذي يدور في فلك إيران ويدعم منظّمة “الحزب”، لا زال حتّى الساعة، يفاخر بأنّه لن يسلّم سلاحه. وهذا السلاح بالنّسبة إليه، مرتبط بجوهر وجوده. لا بل ذهب أبعد من ذلك بكثير، فهو ربط هذا السلاح بالصراع الأميركي – الإيراني، إذ صرّح أمين عام منظّمة “الحزب” بشكل لا يقبل الشكّ، بأنّ حزبه لن يكون على الحياد في حال تمّ ضرب إيران.
مقابل ذلك، تلقّى فخامة رئيس الجمهوريّة والعهد جرعة دعم كبيرة على ما تمّ التصريح عنه من قبل رئيس أكبر تكتّل نيابي في المجلس، أي تكتّل الجمهوريّة القويّة، حيث صرّح رئيسه في أكثر من مقابلة عن مدى التجاوب والانسجام الذي حدث بينه وبين العهد الجديد، والتصدّعات التي حاولت الممانعة افتعالها بأكذوبة الوشاية سقطت بضربة رئيس حزب القوّات اللبنانيّة القاضية.
أمام هذين الموقفين المتناقضين، يدخل قائد الجيش اللبناني الفلك الأميركي حاملاً معه همّ تحرير الأرض اللبنانيّة وبالطريقة التي فرضها خطاب القسم والبيان الوزاري وخطاب الذكرى السنويّة الأولى لفخامته مع خطابه الأخير أمام السلك الديبلوماسي. عنيت هنا بقوّة المنطق الديبلوماسي، وليس بمنطق القوّة العسكريّة الذي ثبت فشله بالتجربة. فضلًا عن همّ قائد الجيش بالحفاظ على كرامة جيشه من خلال تأمين الدّعم المادّي لعسكره حتّى يستطيع أداء المهام المطلوبة منه.
لكنّ الأميركي لا يملك إلّا موقفًا واحدًا وهو: عودة الدّولة إلى الدّولة، والانتهاء كلّيًّا من وجود أيّ جناح عسكري خارج الاطار المؤسسات الشرعية، ولا سيّما ما يخصّ منظّمة “الحزب”. ويذهب الأميركي أبعد في طرحه السلام الاستراتيجي مع إسرائيل، في زمن يسير العالم كلّه في هذا القطار. ما يعني عمليًّا إن سار لبنان في هذا الخيار فلن يكون في القطار وسيتحمّل مسؤوليّة هذا القرار الشعب اللبناني بـأكمله. وهذا ما أعلنته منظّمة “الحزب” برفضها الحياد في حرب الفيلة الدائرة في المنطقة.
لن يكون دعم الولايات المتّحدة الأميركيّة إلى الدّولة اللبنانيّة إلّا إذا أصبحت دولة حقيقيّة لا تَتشَارك سيادتها مع أحد فيها أو خارجها. من هنا تبرز الحاجة بالمواكبة السياسيّة لترجمة هذه الرؤية الجديدة من خلال اتّخاذ قرارات جريئة تبدأ بحلّ التنظيمات العسكريّة والأمنيّة كافّة، بما فيها تلك الخاصّة بمنظمة “الحزب”؛ وأي خلل بتطبيق هذه القرارات يعرّض صاحبه للملاحقة القانونيّة.
هكذا تسقط الحكومة ادّعاءات الحرب الأهليّة التي لا زالت منظمة الحزب العاجزة اليوم تستعملها كشمّاعة لتخيف بعض صغار النّفوس. متناسية أنّ الحرب في لبنان ليست نزهة. لذلك كلّه، ستكون الحكومة اللبنانيّة أمام امتحان عسير جدًّا بعد عودة قائد الجيش الذي لم يعد أمامه أيّ خيار سوى تنفيذ تعهّدات الحكومة اللبنانيّة للشعب اللبناني تطبيقًا لقرارات جلستي الخامس والسابع من آب 2025، واتّفاق 27 تشرين الثاني الذي وقّع عليه الأخ الأكبر ودولة الرئيس ميقاتي قبل ولادة العهد الجديد.
ولأنّ المنظَّمَة المنظَّمَة قد حسمَت أمرها بالمواجهة، ما يؤشّر عمليًّا إلى عجز عن الالتزام بالتعهّدات، إلّا إذا الفخامة مارست فخامتها ولم تتحوّل إلى فخامة عاجزة أمام أمر واقع مفروض بقوّة التهديد. فلا أحد يهدّد الدّولة لأنّها هي وحدها الأكبر بعد الله في الأوطان كلّها. وأمام هيبتها الشرعيّة تسقط كلّ الهيبات غير الشرعيّة.
أمّا إذا لم يستفد العهد من جرعة الدّعم الدّاخليّة ومن المواكبة الخارجيّة لهذا الدعم، ولم يقرّر أن يجعل من الدّولة دولة بكلّ ما للكلمة من معنى فإنّنا حتمًا سنكون أمام عمليّة تدميريّة مستمرّة حتى الإجهاز بشكل نهائي على كلّ الفطريّات التي نمت على جذع الدّولة الحقيقيّة. فهل ستسبق الحكومة بقرارات سياسيّة تنفيذيّة آلة الحرب العسكريّة؟ أم سنكون أمام واقع يفرض توقيع اتّفاق مذلّ على وقع الضربات اليوميّة المتزايدة بشكل عنيف؟ أم هنالك احتمال، ولو ضئيل، بأن تقود الفخامة سلام الشجعان ليسلَمَ لبنان؟