
تختلف القراءات حول “التفاؤل الحذر” بشأن الاقتصاد اللبناني الذي حمله تقرير البنك الدولي الأخير حيال النمو المتوقع في العام 2026 بنسبة تصل إلى 4%، بعدما أشار البنك الدولي في تقريره إلى أن الناتج الإجمالي المحلي سجّل نمواً بنسبة 3.5% في العام 2025؛ في وقت تحدثت بعض “مكوّنات الدولة اللبنانية” عن تحقق نمو بنسبة 5% في الـ2025!.
بغض النظر عن التفاوت في الأرقام المعلنة، يرى خبير المخاطر المصرفية والباحث في الاقتصاد، محمد فحيلي، أن الأزمة أعمق، سواء كان النمو 5 أو 10%، فهل المواطن اللبناني اليوم يلمس أي خطوات جدية إصلاحية من قبل السلطة تنعكس على وضعه الاجتماعي والمعيشي والحياتي؟. ويعتبر، أننا لا نزال في إطار الخطابات والتصاريح، والقوانين الإصلاحية المطلوب أن تعيد الكرامة والانتظام للقطاع المالي، ما تزال حبراً على ورق؛ ما زلنا في إطار الوعود وليس بالضرورة الإيفاء بالوعود.
فحيلي يشدد، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، على أن المواطن اللبناني لا يهتم بتوقعات النمو والأرقام، ما يهمّه أن معاشه في العام المنصرم ومع مطلع العام 2026 لا يكفيه “ليقطع 10 الشهر”، مقارنة بالوضع ما قبل اندلاع الأزمة.
تقرير البنك الدولي يشير أيضاً إلى أن التقدم في الإصلاحات لا يزال بطيئاً، متحدثاً عن “تعافٍ هش”. ويؤكد البنك، على ضرورة إحراز تقدم سريع في العديد من بنود أجندة الإصلاحات الهيكلية في لبنان، وسد “الفجوة المالية”، وضمان الاستقرار السياسي والإقليمي، لافتاً إلى أن السياحة وتحويلات المغتربين كانا المحرك الأساس للنمو في العام 2025، ويتوقع أن يكون القطاع السياحي وتحويلات المغتربين المحرّكين الرئيسيين للنمو في العام 2026، لكن هذين العنصريين لا يكفيان لبناء اقتصاد صلب متين ومستقر.
في قراءة فحيلي ، تقرير البنك الدولي لا يُنظر إليه من زاوية وجود تداعيات سلبية أو إيجابية له؛ هو تقرير توصيفي أكثر ممّا هو تقرير يعالج ويضع “الأصبع على الجرح”، لافتاً إلى أن ما نشهده في قطاع السياحة وأموال المغتربين التي تدخل إلى لبنان، ليس معياراً، فالجميع يعلم أن المغتربين كانوا يتدفقون إلى لبنان على الرغم من كل المخاطر الأمنية، بحيث كانت إسرائيل تقصف من جهة، وطائرات “الميدل إيست” تهبط وتقلع من مطار بيروت من جهة ثانية. توافد اللبنانيين المغتربين لزياره أهاليهم وعائلاتهم في لبنان، لا علاقة له بالاستقرار ولا كان نتيجة وجود استقرار، بل هو نتيجة ارتباط عاطفي والتزام من قبل اللبناني المغترب تجاه وطنه وبقائه على تواصل لصيق معه.
حتى بعض الإصلاحات التي أعطاها تقرير البنك الدولي من أهمية معينة، يرى فحيلي أنه على سبيل المثال، التعديلات التي طاولت قانون السرية المصرفية ليست إصلاحات، لأن هذه التعديلات تهدف إلى إجراء تدقيق جنائي، الأمر الذي لم يحصل لغاية اليوم. ويضيف: “حصل تعديل أيضاً على قانون 44/2015 الذي يرعى مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وحتى بعد حصول هذه التعديلات في الـ2025، صدر تقرير من “مجموعة العمل المالي الدولية” يؤكد أن لبنان ما زال تحت الرقابة المشددة لجهة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. فعن أي إصلاحات نتحدث؟”.
أضف إلى ذلك، يتابع فحيلي: “قانون الإصلاح المصرفي الذي صادق عليه مجلس النواب ونُشر في الجريدة الرسمية، هو في حالة وقف التنفيذ، لأنه معطوف على قانون الفجوة المالية، وكان هناك انتقادات قوية من قبل صندوق النقد الدولي طاولته، وطالب الصندوق بإجراء تعديلات أساسية عليه!”.
فحيلي يلفت، إلى أن توقعات صندوق النقد الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لم يأت على ذكر لبنان!، لأن البيانات المالية اللبنانية المطروحة والمتوافرة، لا يُبنى عليها بالنسبة له. كذلك الأمر بالنسبة لمؤسسة “فيتش” للتصنيف الائتماني العالمي التي توقفت عن تصنيف لبنان ائتمانياً منذ سنتين، لأن البيانات المالية التي تتوافر لها، حتى من جهات رسمية، لا تتمتع بالثقة اللازمة للبناء عليها لإصدار أي تصنيف ائتماني للبنان.
فحيلي يرى، أنه “من غير الواضح تماماً ما الذي قصده بالضبط وما الرسالة التي أراد إيصالها البنك الدولي من خلال هذا التقرير الذي أصدره، وربما يمكن وضع تقريره في إطار “اللباقة واللياقة الدبلوماسية”، فالبنك الدولي مضطر إلى أن يكون “مهذباً” ولا يمكنه إلا أن يكون كذلك”.
