.jpg)
لم تعد سرديات الشيخ نعيم قاسم “الخشبية” التي يتأبّطها من “زمن الدويلة الآفل”، رويداً رويداً، تجد لها تصريفاً في الزمن الجديد؛ زمن عودة الدولة والسيادة واستعادة قرار الحرب والسلم وحصرية السلاح. كما لم تعد تثير أي حساسية لدى غالبية اللبنانيين؛ فـ”الشمس شارقة والناس قاشعة” أن “الحزب” بات ضعيفاً بعد الهزائم التي تعرّض لها، والناس، حتى من داخل بيئته، بدأت بالانفكاك عنه، ولم يعد لديه من حليف أو صديق “يتغطّى” به لاستكمال هيمنته والسيطرة على الدولة والتحكم بالقرار ورهن مصير اللبنانيين لمشروع “درّة تاجه” الإيرانية.
صدرُ الشيخ نعيم “مليان” من اللجنة الخماسية التي تأتي وتقول “أين أصبحت يا لبنان؟، بماذا؟ بنزع السلاح؟، أين انتقلتَ يا لبنان؟ بماذا؟ بنزع السلاح؟”؛ فيطالب ويقول للمسؤولين اللبنانيين: اشرحوا لهم أنكم لا تستطيعون أن تضغطوا على جماعتكم وعلى أهل وطنكم.. قولوا لهم يا أخي “لا نستطيع”. لماذا يريد البعض أن يعرّض أكتافه ويقول ”نعم، نستطيع؟!”.
في الواقع، يتفهَّم معظم اللبنانيين تبرّم الشيخ نعيم قاسم وانزعاجه من “أكتاف” رئيسي الجمهورية جوزيف عون والحكومة نواف سلام “العريضة”، انطلاقاً من “القاعدة الثابتة” التي تقول، كلما أثار عون أو سلام أو أي مسؤول أو شخصية سياسية “انزعاج” الشيخ نعيم وحزبه، يعني أن الدولة تتقدم “والدويلة” تتراجع، فيغتبط اللبنانيون ويرتفع منسوب الأمل والتفاؤل لديهم بعودة الدولة والاستقرار والازدهار.
يشعر الشيخ نعيم قاسم أنه محاصر بين “الأكتاف العريضة”. إن نجح في الهروب من كتفي الرئيس جوزيف عون من جهة يصطدم بكتفي الرئيس نواف سلام من الجهة الثانية، وبالعكس؛ فيشعر بالحصار إلى حدِّ الاختناق، إذ يدرك أن لا مفر من زوال السلاح الذي بات في مرحلة “يلفظ أنفاسه”.
قبل ساعات من خطاب الشيخ نعيم، كان الرئيس عون يؤكد أن “بسط سلطة القانون وتطبيق حصرية السلاح، أمران لا رجوع عنهما مهما كانت الاعتبارات.. لن يكون من الوارد التوقف عن تنفيذ ما تعهدت به في خطاب القسم.. عملت ولا أزال أعمل مع جميع المعنيين لعدم استدراج البلاد إلى حرب جديدة لأن الشعب اللبناني لم يعد قادراً على تحمّل حروب جديدة من جهة، ولأن الظروف الدولية أوجدت معطيات لا بد من مقاربتها بواقعية ومنطق لحماية لبنان وأهله”.
بالتزامن، كان الرئيس نواف سلام يؤكد بدوره، من دبي، أن “استعادة السيادة ليست شعاراً سياسياً بل مسار عملي يرتبط مباشرة بالأمن والاستقرار وبناء الدولة.. عملنا على استعادة قرار السلم والحرب.. ولن نسمح بإدخال لبنان في مغامرة جديدة، علماً أن كلفة الدخول في مغامرة حرب إسناد غزة كانت كبيرة جداً جداً جداً. علينا أن نُحصّن أنفسنا من خلال التفافنا حول الدولة وعدم إدخال لبنان في مغامرات لا دخل له فيها”.
توافق مصادر مقربة من “دوائر رسمية بارزة” الشيخ نعيم، ممازحةً، ولو لمرة، على مسألة أو مقاربة يطرحها. وتشير، لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إلى أنه “بالفعل، يبدو من مواقف الرئيسين عون وسلام أن “أكتافهما عريضة”، تتحمّل الضغوط والتهجمات والتهديدات والأحمال ولا تنوء تحتها، وأن قرارهما باستعادة الدولة وتحريرها وبسط سلطتها وحصرية السلاح، ثابت وراسخ وصلب ولا رجعة فيه إلى الوراء، بعكس ما تعوّد ربما الشيخ نعيم في سنوات مضت، على “أكتاف هزيلة” ضعيفة متراخية تنحني، إما أمام هيمنة حزبه وتسلطه وتهديداته، وإما أمام إغراءاته السلطوية والانتفاعية الضيقة؛ فكيف لا ينزعج الشيخ نعيم ويتبرّم ويتأفَّف من صلابة عون وسلام و”أكتافهما العريضة”؟!.
تضيف: “حبّذا لو يتوقف الشيخ نعيم عن هذه السرديات التي ولّى عليها الزمن، والتي كشفت الأحداث أنها بالفعل مجرد “هلوسات” لم تجلب سوى الخراب والدمار والموت، خصوصاً على من يدّعي حمايتهم من بيئته، بينما الواقع أنه لا يقيم أي اعتبار لحياة الناس والضحايا الذين يتساقطون يومياً بسبب مشروعه الانتحاري. كأن الشيخ نعيم ما زال يعيش خارج الزمن وخارج الواقع وخارج الأحداث والتطورات التي حصلت، وكأن الدنيا من حوله وحول العالم لم تتغيّر، ويعتقد أن بإمكانه البقاء خارج الدستور والقانون وما فوق الدولة!”.
وتؤكد المصادر، أنه مهما حاول الشيخ نعيم تزوير الوقائع ومواصلة الغرق في الإنكار، فهذا لا يُبدّل تبديلاً في الوقائع. الدستور واضح، وخطاب القسم واضح، والبيان الوزاري واضح، وقرارات 5 و7 آب واضحة، واتفاق وقف إطلاق النار ينص بالحرف على نزع سلاحه وسلاح كل المنظمات المسلحة وتفكيك كل البنى العسكرية على كامل الأراضي اللبنانية؛ ويعدّد بالإسم القوى والأجهزة الرسمية التي تحتكر حمل السلاح”.
وتشدد المصادر، على أنه لا يمكن للخطابات التعبوية والعنتريات التحشيدية التي يطلقها الشيخ نعيم أن تُخفي واقع “الحزب” الذي لم يعد في الوضعية التي كان عليها قبل “حرب الإسناد”، ولا حتى المحور بأسره. بل على العكس، خطاباته ليست سوى مجرد محاولات يائسة لتغطية العجز الكامل المكشوف بعدما سقطت كل نظريات الردع والحماية؛ بالدلائل والوقائع التي كشفتها حرب الإسناد والنتائج التي أدت إليها”.
وترى المصادر، أنه من الأفضل أن يتوقف الشيخ نعيم عن لعب دور “الأداة الإيرانية” ويُقلع عن هذا الخطاب الذي لن يؤدي إلى أي نتيجة. وليتوقف عن تخوين رئيسي الجمهورية والحكومة، ومعهما الغالبية الساحقة من اللبنانيين التي ترفض استمرار سلاحه وتوريط لبنان وزجّه في حروب عبثية لا شأن له بها.
وفي كل الأحوال، تؤكد المصادر أن “لا عودة إلى الوراء”، لافتةً انتباه الشيخ نعيم إلى أن الاستمرار بالهجوم على الرئيسين عون وسلام وعدم التسليم للدولة، ربما “يعرّض أكتافهما أكثر”، وقد يرفع من منسوب الصلابة لديهما إلى درجة لم يحتسب لها جيداً وبما يزعجه أكثر، خصوصاً وأننا على مشارف بدء المرحلة الثانية من حصرية السلاح في شمالي الليطاني وكل الأراضي اللبنانية.
