صحيفة النهار – علي حمادة
مساء يوم الأربعاء الفائت انهارت المفاوضات المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران قبل أن تنعقد، ثم تدخلت تسع دول إقليمية عربية وإسلامية لإنقاذ الدعوة إلى المفاوضات التي كانت مقررة لصباح اليوم في سلطنة عُمان.
واللافت أن مجموعة الدول التسع التي توسطت مع الولايات المتحدة لم تحتج أن تقنع القيادة الإيرانية بالعودة إلى طاولة التفاوض لا سيما أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي كان أصدر تصريحاً واضحاً يعلن فيه أن الوفد الإيراني سيتوجه إلى العاصمة العمانية ليكون حاضراً في قاعة الاجتماع في الموعد المتفق عليه.
من الناحية العملية وبخلاف إعلان أسباب إلغاء الاجتماع من الجانب الأميركي، لم يتم الكشف عن العناصر التي طرأت والتي استند إليها الوسطاء التسعة ليدفعوا من جديد بواشنطن إلى طاولة التفاوض بعد أقل من ساعتين على الإعلان عن الإلغاء! بعض المصادر قالت إنه تم الإلحاح على الولايات المتحدة لتعود وتقبل بالجلوس إلى طاولة التفاوض يوم الجمعة للاستماع إلى ما سيقوله الطرف الإيراني مهما كان، أي أن الوسطاء قالوا للأميركيين: امنحونا فرصة للضغط على الإيرانيين في ما يتعلق بجدول أعمال الاجتماع، وذلك بأن تتراجعوا عن الانسحاب، فنعمل نحن على الضغط على طهران لكي تغير موقفها وإلاّ حملناها مسؤولية انهيار المفاوضات والتسبب بحرب لا يريدها أحد وفي الطليعة إيران نفسها المرهقة والمتهالكة إلى حد بعيد.
وتقول المعلومات المستقاة من مصادر ديبلوماسية عربية في بيروت أن الإيرانيين شعروا في البداية بأن الموقف الإقليمي العربي زائد باكستان وتركيا شكل لها درعاً ديبلوماسياً مهماً قد يكون أسهم في التخفيف من الاندفاعة الأميركية وحاصر الضغط الذي كانت تمارسه إسرائيل على إدراة الرئيس دونالد ترامب لمنع أميركا من توجيه ضربة للنظام يمكن أن تقوّض دعائمه وتزيد من ضعفه في مرحلة لم يشهد مثيلاً لها على الصعيدين الداخلي والخارجي.
طبعاً معظم الدول المعنية لا تكن الود للنظام الإيراني الذي هدد خلال العقود الأربعة الماضية استقرار كل واحدة منها بطريقة ما، لكن مجموعة التسع تفكر بما هو أبعد، أي بما بعد النظام! هي تنشد المحافظة على الاستقرار، مع علمها أن النظام ارتكب مجزرة لا مثيل لها في الداخل الإيراني أودت بـ 30 إلى 40 ألف مواطن في بضعة أيام فقط. إنه رقم قياسي في القتل السياسي الداخلي. ومع ذلك تفكر مجموعة التسع كما تفكر الدول، التي ترى أن إيران مهترئة إلى حد بعيد والنظام الذي يمتلك منظومة عسكرية وأمنية هائلة وأسلحة لا تعد ولا تحصى من كل الأنواع يقف على شفير الهاوية. وهنا يخشى الجوار الذي يمقت النظام الإيراني أن ينهار النظام بشكل غير منظم وبلا بدائل فتدخل إيران في مرحلة نزاعات وانقسامات وتفتت وصولاً إلى حروب أهلية لا بد أن تنعكس على دول الجوار وتهدد استقرارها على أكثر من صعيد!
هنا نعطي مثالاً الإجراء الذي اتخذته القيادة التركية بالإعداد لإقامة منطقة عازلة على الحدود مع إيران استباقاً لتلقي موجة هجرة إيرانية في حال توجيه الضربة الأميركية وتداعي أركان النظام، وقد تتجاوز مليوني مواطن إيراني! هذه عينة بسيطة فما بالك بالعراق وباكستان ودول الخليج العربي التي لا يفصل بينها وبين إيران سوى مسافة بحرية قصيرة جداً يمكن في حال نشوب نزاعات أهلية داخلية مع انهيار سلطة النظام أن تشهد “بحيرة” الخليج العربي موجات كبيرة من قوارب الموت أسوة بالسابقة السورية في البحر الأبيض المتوسط.
إذاً هذه الدول التي تقوم بواسطة لمنع نشوب الحرب لا تقوم بذلك بسبب إعجابها بالنظام الإيراني الذي نشر ما يكفي من أسباب التخريب في المنطقة ولم يوفر أي دولة جارة من اعتداءاته، لكن القضية تتعداه، علماً أن ثمة قناعة إقليمية ودولية مفادها أن النظام مات قبل أن يسقط.
لقد مات النظام على الصعيد الداخلي قبل أن يسقط. وأتت مجزرة يومي 8 و 9 كانون الثاني/ يناير بمثابة المسمار الأخير في نعشه. وموت النظام واضح تماماً في ما آلت إليه حاله، إذ إنه وقع تحت حماية مجموعة التسع التي منعت حتى الآن الولايات المتحدة وإسرائيل من توجيه الضربة القاضية إليه. هذه الدول التي كانت تخشى النظام الإيراني المصدّر لحالة اللااستقرار في كل اتجاه باتت هي الحامية له مؤقتاً لأسباب تتعلق بأوضاعها الداخلية. وفي يقين معظم هذه الدول أن الحماية مؤقتة، فإما أن يصطلح النظام بشكل جذري ويبدأ مسيرة التغيير العميق أو أن الحرب قد تعود وتفرض نفسها كـ “رصاصة رحمة” تنهي رحلة الأعوام الـ47!
استنتاجاً، النهاية باتت معروفة!
