على وقع مفاوضات مسقط، وبغض النظر عن نتائجها، يُطرح السؤال عن موقف “الحزب” في لبنان ممّا يحصل. فبعدما أطلق “الحزب” حملة شعواء ضد رئيسي الجمهورية جوزيف عون والحكومة نواف سلام بسبب إقدامهما على التفاوض مع إسرائيل، بموافقة الرئيس نبيه بري، من أجل التوصل إلى اتفاق يزيل الاحتلال ويستعيد الحقوق اللبنانية ويوقف الاعتداءات، ورفض التفاوض السلمي إلى حدِّ تخوين واتهام الرئيسين عون وسلام بالاستسلام لأميركا وإسرائيل، كيف سيبرر “الحزب” لجوء إيران إلى التفاوض حين استشعرت اقتراب “شبح الحرب” المدمرة والخطر الجدي على النظام؟.
في شباط العام الماضي أعلن الخامنئي رفضه لأي مفاوضات مع الولايات المتحدة، معتبراً أنها “ليست فكرة ذكية ولن تحل مشاكل إيران”، فصعَّد “الحزب” ورفض أي نقاش في توسيع “الميكانيزم” وضم مدنيين إليها، ووصل به الأمر إلى حدِّ تخوين الرئيس عون لأنه اختار مسار التفاوض بعدما جربنا الحرب ورأينا أنها لم توصلنا إلى نتيجة، متهماً إياه مع الرئيس سلام بتقديم التنازلات وبأنهما يخدمان المشروع الإسرائيلي، مهاجماً بعنف السفير سيمون كرم بعدما كلفه الرئيس عون، بموافقة سلام وبري، بترؤس الوفد اللبناني للتفاوض.
في شباط الحالي، انطلقت المفاوضات بين واشنطن وطهران، بمباركة المرشد الأعلى، وتُصوَّر من قبل محور الممانعة بأنها “انتصار”، وأن ترامب تراجع ورضخ للمفاوضات؛ إذ حين يكون بقاء النظام الإيراني ومصلحته على بساط البحث، لا يُعد التفاوض مع “الإمبريالية” و”الشيطان الأكبر” و”عدو الإنسانية” تنازلاً، بل انتصار حلال حلال حلال. فهل سيتراجع “الحزب”، ويعتذر، عن تخوين عون وسلام ومهاجمة السفير كرم، ويبدأ بالتنظير في “محاسن” التفاوض مع إسرائيل إن كان يخدم المصلحة اللبنانية؟، أم أن ما هو حلال وانتصار لإيران هو حرام وهزيمة للبنان وتنازل واستسلام للضغوط الأميركية والإسرائيلية؟.
حلال لإيران أن تنتقل من رفض التفاوض مع الأميركيين ـ “الشيطان الأكبر” بالمناسبةـ، إلى رفض “التفاوض المباشر” قبل فترة، إلى التفاوض المباشر وجهاً لوجه اليوم، بهدف الحفاظ على مصالحها ونظامها. أما في لبنان، فلا للتفاوض مع إسرائيل ولا للسلام حتى لو تحققت كل المصالح السيادية الوطنية اللبنانية. التفاوض والسلام والازدهار والاستقرار لإيران، وللبنان الحروب والخراب والدمار والفوضى لتُستخدم ورقة بيد إيران لتحقيق مصالحها على موائد المفاوضات!.
يتحدث مسؤول إيراني عن الاستعداد للتوصل إلى اتفاق مع واشنطن يحقق مصالح الطرفين، ويعلن الاستعداد لتسليم 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب، هذا حلال. أما في لبنان، فـ”الحزب” لا يسلّم سلاحه للدولة ويهدد بإشعال حرب أهلية إن تجرأ أحد على محاولة نزعه، “سلاحنا هو روحنا ومن يحاول أن ينزعه هو ينزع منا الروح وسنواجهه.. هذا سلاح الإمام المهدي “وإذا فيكن ع المهدي دقوا راسكن”.
في إيران، اليورانيوم يمكن ألا يكون، في لحظة وإن اقتضت المصلحة ذلك، “يورانيوم المهدي” الذي لا يُمس ولا يُنزع، بل إن دعت الحاجة أو أصبح عبئاً يهدد مصلحة النظام، يُسلَّم. أما في لبنان، فقد تقتضي المصلحة العكس، فيصبح سلاح “الحزب” “سلاح المهدي” الذي لا يُسلَّم؛ إن حاولتم نزعه نُشعل “حرباً كربلائية”، ولتنطلق حرب إسرائيلية جديدة، وليُدمَّر البلد وتُباد وتُمسح القرى والمدن وتُسوَّى بالأرض، وليسقط الضحايا بالآلاف، لن يُسلَّم السلاح، باقٍ باقٍ باقٍ!. قمة ازدواجية المعايير والانفصام والخداع: “يورانيوم المهدي” يُسلَّم لحفظ إيران، “سلاح المهدي” يُدمَّر لبنان ولا يُمس!.
حان الوقت ليفهم “الحزب” أن كل هذا المنطق ما عاد مقبولاً التعايش معه بأي شكل، وأن كل ادعاءاته وذرائعه للاحتفاظ بسلاحه بحجة الدفاع وحماية لبنان، سقطت الواحدة تلو الأخرى ولم تعد تجد آذاناً صاغية لدى غالبية اللبنانيين، بل إن سلاحه بات محط اعتراض واستهجان ورفض من اللبنانيين الذين اكتشف بعضهم، متأخراً، أن سلاح “الحزب” هو سلاح إيراني هدفه خدمة مصالح الجمهورية الإسلامية في إيران، وأن “الحزب” ذاته بتركيبته هو جزء من هذه الجمهورية، باعتراف وافتخار مسؤوليه وقيادييه، “الخلف والسلف”.
بالتالي، على “الحزب” أن يفهم أن لا أفق لسلاحه ومشروعه وأنه انتهى، أياً كانت نتائج المفاوضات الإيرانية الأميركية؛ التي قد تُسرّع أو تؤخّر بعض الشيء النهاية لكنها لا تُلغيها، وأن الدولة لن تتراجع وهي المسؤولة عن حماية لبنان واللبنانيين من أي عدوان، وبالطريقة التي تقررها في إطار المؤسسات الدستورية الشرعية، تفاوضاً، سلماً، أو حرباً، وأن لا شأن له وليس من اختصاصه ادعاء الدفاع عن لبنان تحت أي مسمَّى أو ذريعة.
ولا بأس في هذا السياق، أن يذكّر المسؤولون المعنيون “الحزب”، بحزم وحسم ومرة لكل المرات، بما تنص عليه المادة 290 من قانون العقوبات اللبناني: “من جنّد في الأرض اللبنانية، من دون موافقة الحكومة، جنوداً للقتال في سبيل دولة أجنبية، عوقب بالاعتقال المؤقت أو بالإبعاد”. لعلّ الشيخ نعيم قاسم يستفيق ويتوقف ويراجع نفسه مع حزبه، أو ليطلب “الفتوى” بهذا الصدد من “صاحب الإمرة” لإعفائه، إلا إن كان يفضّل العيش بعيداً عن ربوع الوطن!… والسلام.
