
مارونيّة مار مارون تنتسب إلى الكنيسة المارونيّة تاريخيًّا وحاضرًا ومستقبلًا، تتمتّع بهويّتها المارونيّة استنادًا إلى القِيَم المسيحيّة ومبادئ الطائفة المارونيّة وتقاليدها الوطنيّة، تجتمع تحت راية بطريركها في شتّى أنواع المناسبات والظروف، ولا تعمل سوى لتحقيق مشيئة الله الآب كما في السماء كذلك على الأرض. نظرًا لتأسيس كِيانها البطريركيّ في لبنان وارتباطها بلبنان عُضويًّا، أصبح هو الوطن الأمّ لها، وهي الابنةَ الكبرى عنده، تتشارك مع مؤسّساته في الحفاظ على سيادة دولته وسلامة انتظام العمل المؤسّساتيّ الرسميّ. تعلّم رجالاتها فنّ الريادة ومنطق القيادة وتشجّعهم على خوض غمار المعترك الوطنيّ والاجتماعيّ، ليكونوا في إنجازاتهم على كافة الصعد صورةً طبق الأصل عن تاريخها اللبنانيّ. بالتالي لا يستطيع المارونيّ التغريد خارج سرب جماعته، ولا يحقّ له التقاعس عن واجباته، كونه يحمل في جيناته القوّة والقدرة على تحمّل وزر المسؤوليّة الوطنيّة والاجتماعيّة. بالإضافة إلى ذلك، من أراد حمل رايةِ المارونيّة عليه أن يكون ابنًا لتاريخ الحرّيّة المارونيّة، ولا يخاف سوى الله، لأن العواصف تقوى على العشب اليابس بينما تسقط أمام صلابة جذور الأرز الضاربة في عمق التربة. فالقائد الّذي يثبت على جُذورِ المارونيّة الضاربة في عمق التاريخ يصبحُ مثل الأرزة الخالدة بمواجهة العواصف العاتية. أمّا الذي يجهل التاريخ فعليه أن يعيد قراءة لوحات صخور نهر الكلب، أو يحجّ إلى دير سيّدة قنوبين، أو يركع أمام ضريح القدّيس شربل.
دخل الكثيرون إلى معترك الشأن العام تحت اسم المارونيّة عبر التاريخ، حاولوا التمرّد على مبادئ المارونيّة وتقاليدها، فزالوا من الوجود مع أوّل عاصفة خريفيّة حتّى لا نستطيع إيجاد أيّ أثرٍ لهم في الكتب أو في القصص المتداولة شفهيًّا. وهناك كثر خالدون في التاريخ وتتناقل الأجيال أخبارهم لأنّهم عملوا بما تفرض عليهم المبادئ والتقاليد المارونيّة، ساروا في ظلمات الأيام والهوان حاملين المشعل المشتعل بحكمة كنيستهم، بلغوا آخر النفق المُظلم مع شروق شمس رجولتهم وبطولاتهم، لم يحملوا سوى راية كنيستهم ولم يتّكلوا سوى على قدراتهم الذاتيّة على نعمة الله.
تلتزم المارونيّة تعاليم الكنيسة المارونيّة في جميع خياراتها لجهة كرامة الانسان ولصالح العدالة الاجتماعيّة والقيَم الأخلاقيّة، أمّا بما يختصّ الشأن السياسيّ الوطنيّ فتربط قرارتها بتوجيهات البطريرك المارونيّ، الّذي يستند بدوره إلى معطيات ومواقف أسلافه البطاركة الّذين اختاروا دائمًا الحريّة والعدالة عندما تعدّدت الخيارات. وهم تميّزوا بجرأة حرّيّتهم وصلابتها بالرغم من كثرة عددهم في مختلف الظروف، مهما اشتدّت التهديدات بوجههم وأُغدقت الاغراءات عليهم، كانوا رجالًا موارنة لا غبار عليهم. عندما خُيّر البطريرك الراحل نصرالله صفير في عهد الوصاية بين الحرّيّة والعيش المشترك، كان خياره الحرّيّة دون تردّد أو خوفٍ من شريعة الوصاية.
تحافظ المارونيّة على نظام المؤسّسات واستمراريّة تداول السلطة فيها أرسمية كانت أو كنسيّة، ممّا جعل مؤسّساتها تخلّد مئات السنين وتواكب عصور التطوّر والتكنولوجيا. عند زيارة إحدى صروحها التربويّة والثقافيّة نشاهد قِدَم الفنون والعلوم الهندسيّة الظاهرة على جدرانها، ثمّ نتلمّس التطوّر التكنولوجيّ داخل غرفها الصفيّة، وهذا يجعل الزائر يتحسّس تماهي وتزاوج العلوم وتطوّرها مع عظمة المارونيّة الثقافيّة اللبنانيّة التاريخيّة. أمّا لجهة المارونيّة السياسيّة فما زالت جميع الأجيال السياسيّة تتحسّر على عهد الرئيس فؤاد شهاب رجل دولة المؤسّسات والانتظام العام. بالإضافة إلى ذلك هناك المؤسّسات الكنسيّة الرهبانيّة مثل الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة، الخالدة والفاعلة دائمًا في تاريخ المؤسّسات المارونيّة منذ ثلاث مائة وإحدى وثلاثين سنة من الانتظام القانونيّ الكنسيّ، في سبيل استمرار الحياة الروحيّة والنسكيّة، مما أعطى لبنان والعالم أربعة قدّيسين مُعلنين كنسيًّا: القدّيس شربل، القدّيسة رفقا، القدّيس نعمة الله الحردينيّ والطوباوي اسطفان نعمه، وما حقّقه القدّيس شربل من اشعاعٍ مارونيّ لبنانيّ وشهرة عالميّة فاق جميع إنجازات العائلات اللبنانيّة مجتمعةً.
يُمثّل المارونيّ مِثالًا يحتذى به في العيش المشترك مع جميع الطوائف اللبنانيّة، يظهر ذلك من خلال انتشار القرى المارونيّة بين معظم قرى العائلات اللبنانيّة أمسيحيّة كانت أو إسلاميّة من أقصى الجنوب اللبنانيّ حتّى أقصى شماله وعلى امتداد البقاعين الشرقيّ والغربيّ. وهنا يجب ذكر البطريرك الياس الحويك صاحب فكرة لبنان الكبير بطوائفه الثماني عشرة، فعندما امتلك القدرة على إقامة وطن خاصّ بطائفته، يعيش في داخله حرّيّته المطلقة، طالب بلبنان الكبير بجناحيه المسيحيّ والمسلم.
نتعرّف اليوم إلى وجوه كثيرة تحمل وسم المارونيّة على تذكرة الهويّة، منهم من يحاول التجاسر على الادّعاء أنّه مستقلّ عن كنيسته وتاريخها تحت شعار الحرّيّة، بالتالي يحتفظ بتذكرته المارونيّة دون الدخول إلى سربها المحلّق مع النسور، وسيبقى أسير محدودّيته فيقبع على هامش الجغرافيا وخارج التاريخ مستقبلًا. يعتقد البعض أنّ مارونيّة مار مارون خَفَتَ وهج نورها أو تراجع حضورها الوطنيّ والاجتماعيّ، ولهم نقول تصفّح تاريخ البطريرك مار نصرالله صفير الحديث، فتقرأ قوّة وعظمة مبادئ وقِيَم مارونيّة مار مارون.