






جبل المواعظ الرَّؤوفة والتَّطويبات الثمانية هو شرفة إطلالات المعلِّم اليوميَّة علينا، لعلَّنا نستحق ملاقاته بمستوى مواعيده لجموع تبعته على تلك الدروب الجليليَّة الحافلة بأسرار أحاديث الأمثال وتفاسيرها، وآيات وأقوال في صيغة ترمم انكسار النفوس. جموع يسوع الأوائل استقالوا من سرديات أجدادهم المسحوقين أجيالاً في بلاد الفراعنة والتَّائهين جياعًا يلتهمون أسراب جراد البريَّة. ونحن جموع العهد الجديد هل تجرَّانا واستقلنا من منظومة الفرعونية اللابدة على معظم تفاصيل يومياتنا وقرارتنا واحتياجاتنا الخنوعة. التَّجلي قائم طالما لنا عيونٌ تلحظ ملابس الأبن الحبيب تتلألأ بيضاء كالثلج في حرمون، كما فوق هضاب ديرانيَّة يسكنها اليوم حرَّاس بريَّة كالتي دخلها ابن الإنسان صائمًا مصليًا تمتحنه التَّجارب البشرية وتنهزم وسوسات المجرِّب الخنّاس!!
كم أمينًا حتّى الموت
مسائيَّتان احتفاليَّتان لنذور رهبانيَّة تتجدَّد في ناذرين يجدِّدون أمانتهم لقدسيَّة عيشة اختاروها والتزموا بها حتَّى الموت عن الرَّغائب البشرية. المسائيَّة تقوم مراسيمها مساء 17 كانون الثاني، أمَّا الثانية فلها 9 شباط. رهبان موارنة يتلون نصَّ التَّجديد بحضرة الله القدير، والأم الطوباوية مريم العذراء وأبيهم أنطونيوس الكبير. ورهبان موارنة يجدِّدون ذات القَسم لكن بحضرة أبيهم مارون الإلهي. رهبان لبنانيون موارنة تكوَّنوا جنينًا رهبانيًا تمت ولادته يوم 10 تشرين الثاني 1695 مِن رحِمٍ رهبانيٍّ واحد وما من غرابة إن تفرَّق الأخوة بعد ذلك كلُّ إلى خصوصياته وأهدافه وقناعاته وأنَّ لملكوت الرب سبلٌ عديدة.
المسافة بين أنطونيوس القبطي الصَّعيدي المصري ومارون السِّرياني القورشي الإنطاكي لا تتعدى القرابة النُّسكية بين اسكيمين موصوفَين بالملائكية، وتلك اللمعة الأخَّاذة البيِّنة في لمحة سماويات براري الصَّعيد المصري وشعابه، وجبل قورش المرصوف بطبقات الصَّخر الأصمِّ، والصَّمت المطبق المفتوح كليًا على سماع ما لم يسمعه موسى الكليم فوق جبل حوريب. أنطونيوس المعروف بكوكب البريّة ومارون بالسَّيد الصغير كانا يدركان أنَّهما ذاهبين إلى سيِّد كبير يسكن الشَّوق والشَّوك معًا. كلٌّ من الرَّائدين ذهب إلى مكانٍ يختلف عن الآخر دون اختلاف علامات الأزمنة الإلهية. كلٌّ منهما ذهب حزينًا، لكنَّ حزنهما المشترك كان على ذلك الغني الذي أمال وجهه عن كمال الأبرار والصدِّيقين ومضى حزينًا مستسلمًا لسطوة ماله الكثير.. أي كمالٍ هو هذا الذي لا يتوالف إلاَّ مع من التزموا بطاعة تعتقل أرادتهم الشَّخصية لصالح ذلك القائم للصلاة في بستان الزيتون وصوته المتهدِّج بصلاته المخضَّبة بعرقه ودمه ما زال صداه يملأ فضاء ليلة الأسرار: “يا أبتِ لتكن مشيئتكَ لا مشيئتي “.
أي كمال هذا الذي يتحمَّل تبعاتِه المرهقة للإحساس البشري الحميم كلُّ مرتبطٍ ارتباطًا لا ينفصم بعفَّة جسد موضوعٍ خارج نظام خلقٍ متكامل بمبدئية ” أنَّ الله قد خلق الأنسان رجلاً وامراة” حين العفاف الرهباني الصَّارم يفصل فصلاً تامًا بين ما يشتهيه آدم من حواء وما تشتهيه حواء من آدم، وهذه العفَّة بالذات قد أبانت الحبل في بطن عذراء لم تعرف رجلاً. وأيُّ كمال هذا الذي لا رصيد له إلاَّ عند هؤلاء الذين عشقوا الفقر المدقع عشقًا قد يكون فيه مسُّ من الذين غرسوا وزرعوا دون أن يتذوَّقوا ثمرة واحدة مما غرسوه وزرعوه. مَسُّ الذين أسَّسوا وبنوا وأنتجوا وهم على دراية تامة بمصير ذلك الغني الذي بنى لنفسه إهراءات كبيرة ولسان حاله التعيسة يهذي: “كلي يا نفسي وتلذذي فإنَّ لك خيرات كثيرة”…
هم آباء البريَّة الكبار قد تنسَّكوا في ظلال رأس ابن الأنسان الذي لم يكن له حجر يستند إليه. هؤلاء الذين لم يمتلكوا من الأرض أيًا من ميراثها الواهي سيكون كسيِّدهم القدوس، لن يكون لملكه وملكهم انقضاء!!
بحضرة الرب والأمَّة والبريَّة والخيمة
بلاد دير الأحمر لها فوق تلالها مناكب تحمل قورش الديرانية الجديدة، كما لها مناقبية مَد قدَّموا للملكوت أرضًا وميراثًا وميثاقًا. هي تلال صيادين قورشيين احترفوا الصنّارة والشبكة فبلغوا ذروة الصَّيد. اصطادوا من إنجيل العهد الجديد بحيرة جنَّاشر وشاطئها وقوارب بحر الجَّليل، وكيف هذا الإيمان القورشي نقل ساحل البحر المسيحاني الجليليِّ إلى الجرد الدِّيراني الأعلى، وكيف صيادو قورش الجديدة اصطادوا شبيهًا بالذي أصطاده الإثني عشر أخوة سمعان بن يونا. قمة التَّلة الديرانية كأنَّها السَّفينة التي تمنَّى المعلِّم على تلامذته أن يلقوا شبكتهم عن يمينها.
شبكة صيد رهبان بيت مارون قد جذبت مارون من قورشه الأولى إلى قورشه المتباهية بها أعالي بلاد دير الأحمر. رهبان متحصِّنون بسيدهم الكبير الذي في السماوات، وسيِّدهم الصَّغير الذي في رسالة يوحنا فم الذَّهب يخوضون آباءً، وأخوة دارسين، ومبتدئين، وطلاب حروب الردَّة في ارتدادهم على أسوار سدوم المتمدِّدة في معظم أنحاء عصرنا الراهن المطوَّق المهدُد بسادوميّات عائليَّة، مجتمعيَّة، أخلاقيَّة، تربويَّة، علميَّة، طبيَّة، تجارية، صناعيَّة، تجاريَّة، الكترونيَّة، وقد تكون سدوميّة عقائدية، فلسفيّة، ولاهوتيَّة.. وأنَّها عمورة تتوغل في الدنيا وتتغلغل في الدين!!
وأنا أعطيك الحياة
ترنيمةٌ تقارب شدو الشاروبيم منتخبة من بين أسفار رؤيا القديس يوحنا التَّلميذ الطّاهر، كي ترتديها مزايا رهبان بيت مارون وصلواتهم كما يرتدون أساكيمهم المثلَّثة بشعائر الصَّليب ووجه مريم وأرزة لبنان، وهم الحرّاس الأشدّاء لثالوث الأمة والبرية والخيمة الراعي لأجيال الأمَّة المارونيَّة حتى منتهى الدهر!
“لا تخف أيها القطيع الصَّغير” فقد حسُن لسيِّدك أن تكون استمرارًا لرعاتكَ الثلاثمئة والخمسين، رهبانكَ الذين رفدوا نبع الدير العاصي بفيض دماء أعناقهم المذبوحة دينونة في أعناق شرق المظالم والظلاميات الحاقد منذ 1600 سنة على عصيان يوحنا مارون ورباطة جأش ابراهيم القورشي وشعبٍ اختار الوعر قصرًا دائمًا وعائقًا ومانعًا لكل قرار يصدر بإعادة ترميم قصور هيرودس ونيرون كما قصر الغني المحكَم الإغلاق بوجه جوع أليعازر وقروحه !!
محابسكم وصايانا
وصايانا المارونية واللبنانية على السَّواء يا رهبان بيت مارون. منذ حذت حذو الإبن الشاطر فإنَّ مارونيتنا انشطرت بعد أن شطرت ميراث أبيها الزاهد الأبدي بالكنز الذي يفنى. المارونية لم تعرف طوال أزمانها فقرًا مدقعًا إلاَّ أيام انزلقت فيها إلى مجتمعات الثراء الفاحش والغنى الفاجر وقد كان خبزها كفاف يومها وكرامتها هو حصنها الآمن الأمين، وفلاحها المكفي هو سلطانها المخفي. رفاهية العيش العشوائي السَّهل المنال بأية وسيلة كانت هي العدو الأخطر الذي ألحق بشعب القمم هزيمة قيمه واقتلاع جذوره وتبديد ما جمعه أجداد سكنوا المغاور والكهوف وعواصي الجبال والوديان!
جبلكم الديري الديراني يا خدّام أرزة لبنان هو الأرز وطنًا وكيانًا ونشيدًا وميامر أفرامية وتسابيح ربّانية. جبلكم مائدة ولائم مارون وأنطونيوس وربوات أصفياء الله. جبلكم عماوس التلميذين يناشدان: “أمكث معنا يارب فقد حلَّ المساء ومال النَّهار”. جبلكم هو صلبانكم ترفعونها حجارة بنيان فوق أكتافكم وأساكيمكم مصطبغة بغبار مصطبغٍ بقداس أثنين الرّماد، وعباءاتكم المرَّقعة الجرداء تختصر قميص المصلوب، وتعتصر عرقًا له نكهة خلِّ الصَّلب ومرِّه وأستحقاقاته. جبل محابسكم يا آباء وأخوة ومبتدئي وطلاب بيت مارون هو المحبسة التي يشتهي العودة إليها أباكم وأبانا شربل لبنان!!!