
“الغريق الذي يتعلق بقشة”…
لقد سمع اللبنانيون في محطتين نموذجيتين من هذا الغريق المتمثل بـ”الحزب” وبالتيار العوني-الباسيلي، الملحق كيف واجه ظروفه اليائسة البائسة، وكل التطورات العسكرية والسياسية الدولية والإقليمية والمحلية والشعبية والاستحقاقات الانتخابية النيابية البلدية النقابية والطالبية، من تحت قبة البرلمان ومن شاشة التلفزيون، بالتعلق بقشة الهجوم على معارضيه السياديين وعلى رأسهم “القوات اللبنانية” لا سيما وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي.
مع إدراك الثنائي الغريق بأن التمسك بهذه “القشة” لن ينقذه بل إنه وإن دل على شيء، فعلى على حالة الوهن وفقدان السيطرة… كما دلّ على الاستماتة في البحث عن ضالته المنشودة بتمسكه بالوسيلة الوحيدة الضعيفة المتاحة، وهي إسقاط ما سبق للثنائي باسيل ـ الحزب أن اتهم وأدين به بالوقائع وبالتواريخ.
نبدأ من شماعة كلام الوزير رجي والذي بحسب مهاجميه، أعطى الحق لإسرائيل بمهاجمة لبنان واللبنانيين، مع تمسك “الحزب” بسلاحه، هذه الشماعة التي كررها نواب وقياديو “الحزب” والتيار العوني بشخص جبران باسيل المتوسل المتسول لأصوات “الحزب” والمسيحيين، تسقط أولًا بوضع ما قاله رجي في سياقه، إذ يقول الوزير السيادي “لسوء الحظ اتفاق وقف إطلاق النار كان لمصلحة إسرائيل”، و”هم يقولون”، أي من وافق على الاتفاق من إسرائيليين ولبنانيين ممانعين، إن استمرار “الحزب” في التمسك بالسلاح، يعطي الحق بحسب الاتفاق ولسوء الحظ لإسرائيل بشن عدوانها، وفي هذا السياق وتأكيدًا على رجحان كفة ميزان الاتفاق لمصلحة إسرائيل، “لسوء الحظ” يقول المفاوض المفوض الأخ الاكبر لـ”الحزب” المقاوم نبيه بري عن الاتفاق في 29 آب من العام 2025: “يا محلا 17 أيار”.
كما تسقط هذه الشماعة بعد ما قاله في 26 كانون الثاني من العام 2026 رئيس الوفد اللبناني في لجنة الميكانيزم السفير سيمون كرم، القريب من رئيس الجمهورية، عن “ان الحزب لم يعطِ أية معلومة عن أسلحته ومنشآته للجيش اللبناني وأن الجيش يفكك وحده بنية الحزب العسكرية”، إبراءً وتأكيدًا على ما ذهب اليه وزير القوات في الحكومة وهوجم عليه وخون، تمامًا كما اتهم ممثل رئيس الجمهورية في لجنة وقف إطلاق النار المقرر إنشائها في حكومة الممانعين والعونيين برئاسة ميقاتي.
قد يفهم ضيق صدر الثنائي باسيل ـ الحزب من توسع المنطق السيادي التي نادت به “القوات اللبنانية” ووزيرها وانفلاشه تحت قبة البرلمان اللبناني مطالبًا بحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها، ولكن ما لم يفهم هو في تناسي ما كان وزير الخارجية السابق جبران باسيل قد أعطاه من حقٍّ وحقوق للعدو الإسرائيلي أثناء توليه لتلك الوزارة، والتي لم تكن يومها سيادية أو حرّة البتة، إذ يقول الوزير الحليف لـ”الحزب” في 28 كانون الأول من العام 2017: “لا خلاف إيديولوجيًا بيننا وبين إسرائيل التي يحق لها العيش بأمان كما يحق لنا العيش بأمان”.
وفي 29 كانون الأول من العام 2017، صرّح الناطق باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية بأن “إسرائيل تلقت بإعجاب ومفاجأة موقف وزير خارجية لبنان الوزير باسيل”.
وعن العم ميشال عون مؤسس تيار باسيل، نقرأ ما قاله حليفه الصادق الراحل نصرالله في 6 تشرين الثاني من العام 1989،”في لبنان مشكلة اسمها ميشال عون، إنه حالة إسرائيلية صدامية وتدميرية ولا يرى إلا مصالحه الشخصية ومصالح طائفته”.
وتصديقًا لقول نصرالله، نقرأ في كتاب الصحافي الفرنسي آلان مينارغ “أسرار حرب لبنان” في وثيقةً سريّة مُذيّلة باسم ميشال عون، ومؤرخّة بتاريخ 27 ايلول من العام 1980، تتضمّن تصوّر العقيد ميشال عون حينها، لكيفية وصول قائد “القوات اللبنانية” بشيّر الجميّل الى الحكم. في الفقرة 66 من هذه الوثيقة، يقترح العقيد ميشال عون على بشير الجميّل ما يأتي، “التوصّل مُسبقًا الى اتفاقٍ مع إسرائيل ينّص على اعتراف متبادل، وعلى توقيع ميثاق دفاعٍ مُشترك”، وفي الفقرة 71 من الوثيقة إيّاها تم تحديد نقاط “للنهج الواجب إتّباعه في حال سقوط النظام السوري أو تفكّك الدولة السورية”، ومنها، “الهيمنة على الجيش وجعله ينفجر من الداخل”.
وفي وثيقة اأخرى “مكتوبة بيد العقيد ميشال عون”، بحسب ما يورد مينارغ حرفيًا، يعود تاريخها الى حزيران من العام 1981، يُعددّ عون بعضًا من المساوئ التي قد تنجم عن قطع العلاقة بإسرائيل، ومنها:
ـ إمكانية قطع التموين الاسرائيلي مع كل ما يستتبعه من انعكاسات وخيمة على القوات المسلّحة.
ـ إمكانية الانسياق الى تنازلات أكبر.
ـ الدخول في عملية سياسية يمكن ان تُعيدنا الى نظام ما قبل العام 1975.
ـ تحمّل التبعات وتبرئة السوري من كل فعل إقرار بأخطاء.
وفي كتابه في الجزء الأول يوثّق مينارغ اقتراح الكولونيل ميشال عون على قائد “القوات اللبنانية” بشير الجميل، توقيع اتفاقية اعتراف متبادل وميثاق للدفاع المشترك بين لبنان وإسرائيل. وعن قصة حرب الجبل يروي مينارغ في الجزء الثاني، “اعتاد الكولونيل عون، قائد اللواء الثامن بالجيش اللبناني، أن يتجول في دوريته برفقة ضباط إسرائيليين”!
وفي الصفحة 176 وفي كتاب آخر يحمل عنوان “الرهان الممنوع”، يقر كاتبه حبيب الخوري حرب بعلاقة “العونيين” بالإسرائيليين بقوله، “لم تنفع التطمينات التي كنّا نسمعها من بعض الدائرين في الفلك الإسرائيلي في إزالة قلقنا من الحسم العسكري”.
وبالنسبة للغارقين من المقاومين من الثنائي “حزب ـ حركة” والمتمسكين بقشة الوزير رجي، نقرأ في مجلة “أمل” في 20 كانون الثاني من العام 1989 تصريحًا لرئيس حركة “أمل” نبيه بري، يتهم فيها “الحزب” بالتعامل مع إسرائيل ومع أنطوان لحد قائلًا، “من يستطيع أن يستحضر حوالي ستمئة عنصر، قسم منهم عبر وادي الليمون والقسم الأكبر عبر جزين، وبعد اتفاق مع لحد ومن وراءه، تمامًا كمثل الاتفاق في حي الحجاج وقت معركة الضاحية، من يستطيع أن يستحضر حوالي ستمئة عنصر كما قلت ومدافع 120 مليمترًا وراجمات وعربات وكل هذه الأطنان من الذخائر لاحتلال منطقة اقليم التفاح، وكان المخطط الوصول الى النبطية، ألا يستطيع أن يمرر ربطة من الخبز يدّعي أن حركة أمل تمنعها عنه؟ بان الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا”.
وفي 26 كانون الثاني من العام 1990، دعا المسؤول التنظيمي لحركة “أمل” في الجنوب الحاج عاطف عون، الأحزاب والقوى الوطنية والاسلامية “الى الوقوف بوجه الحزب الذي يعمل بكل الوسائل الحلال منها والحرام، ويسعى لجعل الجنوب رهينة جديدة ويعاونه في ذلك جماعة حاقدة من برلمانيين إيرانيين”.
و اتهم عاطف عون “الحزب” بأكثر ما افتري به على رجي بـ “تعاون فاضح بين إسرائيل و الحزب قائم عبر إدارة إسرائيل ظهرها لمرور الوافدين الى اقليم التفاح، وعبر البغال المحملة بالسلاح”.
ليؤكد عضو المكتب السياسي سابقًا ونائب رئيس حركة “أمل” الحالي هيثم جمعة في 29 تموز من العام 1990 على تحالف “الحزب” الشيعي مع جيش الدولة اليهودية”: “الحرب في إقليم التفاح هي حرب على الشيعة وحرب على الجنوب. إن بعض الداخلين من هذه الطائفة يمعنون قتلًا وإضعافًا لأبناء الطائفة وبالتالي تشريدًا لهذا القرار الشيعي الذي يحافظ على الجنوب. أية مقاومة تلك التي تمر تحت الرايات الإسرائيلية وعند البوابات الإسرائيلية وتتآلف مع العدو. لماذا هذه المقاومة التي يقولون عنها بعد القتل والتشريد والتدمير الذي افتعلوه في إقليم التفاح، من المسؤول عن الأرواح التي تزهق في إقليم التفاح؟ المعركة في إقليم التفاح ليست معركة بين طرفين، وحركة أمل تتصدى للاجتياح الجديد”.
بالمقابل يرد “الحزب” على حركة “أمل” في 28 تموز من العام 1990 عبر مسؤول منطقة البقاع في “الحزب” الشيخ محمد خاتون بالقول: “إن الحرب التي تخوضها المقاومة الإسلامية هي حرب مشروعة، فالعلماء الذين اجتمعوا في الجنوب شاؤوا أن يكونوا الأداة لإسرائيل، إن ما يحصل الآن هو جزء من الحملات على الثورة الإسلامية وهناك مؤامرة على الشيعة وعلى الطائفة الشيعية”، معتبرًا أن حركة “أمل” اداة وليست طرفًا، ليكشف مصدر إعلامي في “الحزب” في 8 تموز من العام 1990، أنه “استكمالًا للهجمة الصهيونية على مواقع المقاومة الإسلامية في إقليم التفاح وبينما كان الأخوة في مراكز الإسعاف متوجهين الى مساعدة الأهالي وإسعافهم، قامت عصابات بري وحيبقة وفي خطوة تكشف مدى الترابط بينها والعدو، بقصف المناطق التي استهدفها الصهاينة في غاراتهم قصفًا عنيفًا وبالمدفعية الثقيلة من عيار 122 و120 و182 ملم، وذلك من مرابضها في صربا وحومين وعربصاليم، بهدف إعاقة المسعفين وعرقلة وصولهم الى المنطقة، كما يتابع العدو الصهيوني قصفه العنيف بمدفعيته الثقيلة المتمركزة في مواقعه في الزفاتة وتلة السويداء لقرى عين بوسوار وجرجوع واللويزة ومليتا وجبل صافي”.
وفي ردّ اتهامي مزدوج على الثنائي الشيعي ومن العارف بما جرى على أرض الجنوب، نقرأ من كتاب مذكرات انطوان لحد “في قلب العاصفة.. مذكرات نصف قرن في خدمة وطني لبنان”، وفي فصل تحت عنوان العلاقات اللبنانية ـ السورية، “…لم يتوجه المسيحيون وحدهم الى الإسرائيليين طلبًا للمساعدة بل إن كثيرًا من الفئات طلبت مساعدتهم، وحركة أمل تلقت أسلحة وذخائر من الإسرائيليين أثناء حربها ضد المخيمات الفلسطينية وضد الحزب، والأخير استولى على أسلحة الجنوبي وقسم من أسلحة الجيش الإسرائيلي بعدما أغمض الإسرائيليون أعينهم قصدًا عن ذلك، وآمل الا أضطر في المستقبل الى كشف تفاصيل هذه الامور…”
وبناء على كل ما تقدم، لن نجد أفضل من المعلومات المتقاطعة المؤكدة عن “نيو لوك” قيادة “الحزب”، تعبيرًا عن مصير الغريق المتعلق بقشة الافتراءات.
.jpg)