#dfp #adsense

مارون فوق الجبل.. أين الموارنة؟!

حجم الخط

صعودًا مشى كترنيمة يرنِّمها صوت القدوس وقورش تستنفر حوَّاسه لاستيعاب جميع ما لأجله هجر المجتمعات الآهلة بالبشر والعمران والاجتماعيات والحضارات. سار محاطًا بالشوق والشقاء حتى بلوغه أقدس جبال أنطاكيا حيث الشَّمس تزهد بسطوعها وسطوتها لتمسي سراجًا يرافق أجيالاً من الزهّاد وربواتٍ من كواكب البريَّة. مارون يفتتح مكاتب السياحة السماوية انطلاقًا من خيمته وتليها محابس السيّاح المعروفين بأصفياء الله السَّالكين سبيل الآية العلامة: “وبعدما صرف الجموع، صعد يسوع منفردًا إلى الجبل ليصلِّي، ولما صار المساء كان هناك وحده”!!

دائمٌ مكانك فوق، وثابتة مكانتكَ في عينَي مَن دعاكَ لتبني له ولك مدين فوق جبل. مورن السيِّد الصَّغير بحجم عظمة السيِّد الصَّغير وهذه السيادة العظمى التي تركها لنا إرثًا لا يفنى في وصيَّ ليس فيها حرف واحد يُنقض: “لا تدعوا سيِّدي، لأن لكم معلم واحد هو المسيح وأنتم كلكم أخوة”!

بعد 1600 عام من حضورٍ لكَ لا يزال يرفع علوَّه علوًا. لا أنت تعبتَ من الجبل يا أبانا ولا هو تعب منكَ، لكنَّ المارونيّة هي التي سلكت منحى الانحدار يوم تهيَّأ لها بأنَّ التاج يرفعها والصولجان يزيد من مهابتها والعرش يثبِّتها في مكانها. موارنتك الذين أردتهم توأمًا لجبالهم مخلوقين لأجلها ومخلوق لأجلهم من ذات الطِّينة والطباع، قد أدركهم المجرِّب عند سهولة دروب واسعة معظمها أدَّى بهم ويؤدِّي إلى هلاك متواصل متَّصلٍ بما ظنَّوه خلاصهم مما أورثه له أجداد أجدادهم مِن قممٍ يتساكنونها مع النسور، وأوديَّةٍ يقيمون في خبائها، وأراضٍ لا تدرُّ لهم لبنًا وعسلاً وحور عينٍ. مارون شاء المارونية والموارنة في لبنان كما شاء الرب آدم وحواء داخل جنّة عدن قبل أن تتدخَّل الحيَّة وتُفسد أزمنة النَّقاء باشتهاءات وشهوات كاشتهاء النار للحطب، وشهوة نيب الأفعى على لدغ الجسد وصولاً إلى الروح!!

 

أمَّة مارونيا

أهل مارون وأناسه وخاصَّته، هل وصل إرهاق العقل بهم إلى أخذهم قرار اتِّباع مذهب العقلانيّة الحسابيَّة الخاضعة للأرقام والأعداد وتاريخهم يناقض هذا التَّعقل الأقرب إلى إعلان الهزيمة والاستسلام؟ تاريخ أمَّة لم تخض معركة إلّا كلَّ ما هو مستحيل، ولم تواجه إلّا كل ما هو شاق ومضني وعسير مستندةً إلى آية: “أنَّ ملكوت الرَّب لا يؤخذ إلاَّ غلابًا”.

هل بلغ الإعياء الإيماني بموارنة اليوم إلى حدِّ أنكار ذاتهم التاريخية والتَّملص من موجباتها؟ هل عاف الأبناء زمان أبيهم السَّاكن بجرده المقفر، المسكون بتجرُّده المدهش؟ الراهب الآرامي الهائم بالأعالي والشواهق لا بحر أحمر في دياره كبحر موسى المعروف بكليم الله. إن كان الكليم قد شقَّ مياه البحر مفتتحًا زمن العبور إلى أرض الميعاد وعبرانية الوصايا العشر، فإنَّ مارون القورشي قد شقَّ لموارنته الرياح والأعاصير دربًا يصل بها إلى مساحة لبنانية كأنَّها على قياس سفينة تلامذة المعلم المحاصرة بأخطر الأمواج صخبًا وعتوًا وتلاطمًا حصارًا عاقبته الغرق المحتوم وشراع واحد وحيد يتَّجه بها إلى برِّ الأمان هو ذلك الصَّوت المعاتب المؤنِّب الممتحن: “ما بالكم ترتعدون وترتجفون يا قليلي الإيمان”؟

مارون لم يكن له بحر أحمر قد كان له نهرٌ عاصٍ ماج بدماء رهبانه الثلاثمئة والخمسين ذبيحة مشى الرب يسوع وسط دمائهم يضيفها إلى دمائه إعلانًا بأنَّ الشرق بأكمله هو جلجلته وجبال المارونية هي قممها، وتصريحًا بأنَّ الشرق بأسره هو صليبه والموارنة هم أقرب أقرباء هذا الصَّليب!!

 

مارون الكاهن وبيعة المارونيّة

ماروننا، ومن خيمته المكشوفة انكشافًا نسكويًا على مطلق العراء كما على الحقائق العارية عريًا كليًا من ستائر المسارح، هو أوَّل العالمين بأنَّ كنيسته وكنيستنا المارونية هي في عزِّ محنتها، محنة علاقتها الملتبسة بمارونها، ومحنة علاقتها المزاجية المتقطَّعة بسفارة منشئها الأول في بلاد القورشية السابقة للقاديشية، والأهم محنة تهيُّبها من تقديمها الإمتحان المصيري في حضرة الروح القدس، امتحان معروف النتائج للرعاة والرعية على السَّواء وحتَّى إن كان كلٌ منهما في وادٍ.. ويا ليتهما يعودان معًا إلى وادي القديسين.

صرح صروح المارونيَّة المعطى له مجد لبنانها هو الرَّحيب المُتَّسع لعنصرة تُتلمذ سائر المشرق تلمذة سمعان بطرس وأخوته ولتكن الصَّخرة البطريركية التَّاريخية الممتدة كشكل الصَّليب وهندسته هدية أبدية لابن الإنسان يسند إليها رأسه. صروح بطرسية الصَّخر والهامة تواصلت صروحها بين وادي حربا وكفرحي ويانوح وإيليج وقنوبين. هي صروح لم تفتح لها يومًا صالاتٌ تستقبل وتودِّع وتستبقي على موائد الطَّعام إلّا المدعوين إلى خبز الحياة، وماء الحياة، وكلمة الحياة المؤهَّلين للانتساب إلى شركة القديسين والإنتماء إلى المحبَّة تلك المرنَّمة مساء خميس الغسل: “أحبَّ يسوع خاصَّته، أحبَّهم حتى المنتهى”.

بيعتنا الأبرشية في أزمةٍ خطيرةٍ لا تحلُّ عقدها المتشعِّبة إلاَّ “صلبان من خشب ونفوس من ذهب”.. بيعتنا الرهبانية تحنُّ إلى خبز شربل وإسكيم شربل ونذور شربل التي لم تعرف التواءً ومواربةً ومهادنة ومداهنة. نؤمن برهباننا الذين حفظوا ذخرًا تعليم الحرديني ومحراث اللحفدي وبصيرة الحملاوية التي أبصرت في عينها المقلوعة ما لا يراه جمع المبصرين.

الكنيسة المارونيّة عند مفترق طرق أقصرها عثرة تلو عثرة، وأبعدها آثار خطىً، مرَّة تظهر كأنها خطوات بولس، ومرَّات كدعسات شاول على طريق دمشق.. ومارون الصائم دومًا عن التَّصاريح والبيانات والخطابات والمحاضرات والمقابلات الإعلامية والمؤتمرات الصَّحافية ينذر موارنته الراهنين: “أيّاكم أن ترفسوا المهماز”. إيّاكم أن تستغيثوا بغير أنبل وأرفع آيات الاستغاثة: “يارب إلى من نذهب، وكلمة الحياة عندك”!!

 

أبانا وموراننا

شجرة خردل إنجيلك المقروء بصمتك وصوتكَ معًا تملأ إهراءات الإيمان بما ينقل الجبال. جبلك القورشي الفردوسي نرجوه منتقلاً إلى لاهوت هضابنا اللبنانية وناسوتها، لبنان الرب ولبنانك ولبناننا على وقع سماعنا الجملة الإنجيلية الأحب على قلبك وقلوبنا: “وصعد يسوع إلى الجبل”، أكان صعوده منفردًا كما تماثلت به أنتَ، أو محاطًا بجموعٍ تتبعه، مثلها التي تلهَّفت على اللقاء بك. ها هو نائب المسيح على الأرض قداسة الأب الأقدس لاوون الرّابع عشر قد أتانا من كرسي بطرس مخاطبًا فينا جميع الذين يفهمون لغة الروح المعزي ويدركون إيماءات أبا المساكين: أنَّ أهم ما في إرشاده البابوي الأبوي الرسولي للشعب اللبناني هو سجوده في حضرة إبن المكاري البقاعكفري الذي حمل على ظهر أتان أبيه الشعانين من شوارع أورشليم ونقلها إلى شوارع الدنيا بملكها وأهازيج أطفالها وأغصان شجر زيتونها، وعلى ظهر دابة أبيه نقل أجاجين تحويل الماء إلى خمر من قانا الجليل إلى جرَّة مياه عنايا المتحوّلة زيتًا لسراج شربلي رهباني ارتفع فوق مكيال الأمم!!

 

أبانا الذي في ضمائرنا

شباط العيد والعديد، عديد أيامه المربعانية ثمانية وعشرين، وأيام كبيسه تسعة وعشرين، أمَّا يومه التَّاسع فهو عيدٌ لولا رسالة يوحنا فم الذهب لكان بقي مجهولاً هو وتلك الألف وستمئة عام من عمر راهب سريانيّ اللغة، ملائكي اللهجة والهمسة والبسمة، ملكوتي الإقامة.

التاسع من شباط هو يوم أيام الموارنة إن أحسنوا قراءة علامات أزمنتهم كما أزماتهم. هو عيد أعياد المارونية المتربيَّة أصلاً على أيدي نسّاكها وحبسائها، هو صفوة أعيادها إن أدركت بأنَّ الرفاهيّة الهوجاء هي ألدُّ أعدائها، وخلط قمحها بزؤانها، وهي مفتاحها الضّائع وبابها المقفل وبيتها المهجور ورزقها السَّائب، وهي ابنها الشّاطر الذي ذهب ولن نخشى ألّا يعود!!!

إقرأ أيضًا

المصدر:
المسيرة, فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل