
“المقاومة شو حلوة إذا كانت طاهرة هيك وشباب قديسين”… وهل من كلام أجمل بعد وأعمق قيل في المقاومة اللبنانية؟ أنا الكولونيل أسعد أبو جودة، وأنا مؤسس معهد بشير الجميل، وأنا خرّجت ضباطًا شجعانًا ملتزمين الدفاع عن وطنهم حتى الاستشهاد. وأنا رسمت خطوط الانضباط في جيل ساحر مقاوم شجاع دخل تاريخ المقاومة في لبنان.
لم يقل الكولونيل عن نفسه هذه الكلمات بالطبع، إنما كان يجدر به أن يقولها قبل رحيله، أن يعترف بإنجازاته الكبيرة بنفسه، هو المتواضع الكبير، وما لم يقله عن نفسه وعن حقيقته الناصعة تلك، يقولها عنه رفاقه وأجيال المقاومين الذين تدربوا على يديه، والذين لم يعرفوه إنما يعرفون عنه ما يكفي ليكتبوا عنه سطور الفخر والاعتزاز.
“من أربعين سنة وقفنا سوى. رحل قائد ومؤسّس معهد بشير الجميل. معهدنا. رحل أسعد أبو جودة. ضابط مهندس وأكثر من هيك بكثير. عرفتُه مع رفاقي رئيسًا عسكريًا بامتياز، مقاومًا لبنانيًا مسيحيًا صلبًا كالفولاذ. قلبه قلب طفل مجبول بالطيبة والصدق. بضعة أيام قبل وفاته طلب من زوجته الحبيبة هدى أن تضع سلاحه بقربه ليكون جاهزًا للدفاع عن لبنان. أستاذي، رفيقي، جنرالنا، لك أؤدي التحية ولن تكون المرّة الأخيرة”، كتب له النائب بيار بو عاصي. من الرجل الذي خسرته “القوات اللبنانية” وحزن عليه بو عاصي وكثير من الرفاق؟
قبل اندلاع حرب التحرير ما غيرها وحرب الإلغاء من بعدها، كنا نرى الشباب ببذاتهم الزيتية ونسمعهم يقولون “طالعين ع المعهد عنا دورة”. كنت في بداياتي في مجلة “المسيرة” ولم أكن أعلم ما هو “المعهد”، كل ما كنت أعرفه عن المقاومة هو حكاية الشيخ بشير، وبدأت أسمع بمقاوم آخر على طريقه هو سمير جعجع، وبدأت أخبار معهد بشير الجميل تصلنا تباعًا.
كان مهندس الكترونيك وتخرج ضابطًا في الجيش اللبناني، العام 1975 مع بداية الحرب في لبنان انسحب من المدرسة الحربية مع عدد من الضباط الأحرار بعدما انشق الجيش، ونظم مقاومة محلية لمواجهة الفصائل الفلسطينيية المسلحية وأعوانهم وخصوصًا في منطقة الغوارنة بين جل الديب وبقنايا، وكان الناس هناك هم من يمولون مقاومته لثقتهم به وبقدرته على حماية المكان من غزوات الغرباء.
“كان مسكونًا بالقلق على الوجود المسيحي الحر، وهنا التقت أفكاره مع سمير جعجع. التقيا قبل انتفاضة 12 آذار بوقت قليل واكتشف أن الحكيم صاحب مشروع تنظيمي وتلاقت أفكارهما على نفس القضية” يقول عنه المناضل جهاد سليمان.
لقاء الحكيم والكولونيل أثمر معهدًا ذاع صيته في كل لبنان، إذ وفي خلال أول لقاء بينهما طرح الكولونيل فكرة المعهد لتنظيم القوى المسلحة في “القوات اللبنانية” ووافق الحكيم. انصرف الكولونيل الى التجهيزات وتحضير الضباط المدربين، وجال الحكيم على الجامعات كافة في المناطق المحررة آنذاك، يدعو الشباب للالتحاق بالمعهد، فكان المعهد بمثابة مدرسة حربية جديدة في دير مار شليطا في غوسطا اسمه “معهد بشير الجميل” وكان حفل تخرج الدورة الأولى برتبة ملازم في 22 آب من العام 1985.
سنتان استمر في قيادة المعهد وتخرجت على يديه أقوى العناصر المنتظمة، ومن بعدها انطلقت مرحلة تأهيل الضباط في “القوات اللبنانية” ومن ثم تسلم مهام رئيس الأركان بالوكالة في المجلس الحربي.
“تحول المعهد الى بيته الثاني، يدرب مع عناصر من الجيش، يتعاطى مع الضباط وكأنهم أبناءه، عنده هيبة كبيرة واحترام، لكنه في الوقت ذاته حنون طيب متواضع قريب من الجميع. كان كأنه والد كل عنصر من الشباب، وعنده تلك المسحة الانسانية على وجهه وفي تصرفاته، كل همه كان لبنان وسيادته وحريته والوجود المسيحي الحر وسط كل هذا الجنون والاحتلالات” يقول عنه سليمان.
لم يتردد عن تولي مهام إصلاح الآليات العسكرية، كونه صاحب خبرة عالية ومن ضمن اختصاصه، من دون الأخذ في الاعتبار أنه كولونيل أو ما شابه. عند انتهاء الحروب واعتقال الحكيم، حزن وغضب وخاف على الشباب والحكيم، ودخل في ما يشبه الصمت، وانصرف الى المساعدات الاجتماعية والإنسانية. كان يدور على البيوت لتأمين الأموال الكافية لمساعدة المحتاجين، ونظم العمل بطريقة مذهلة وكان الناس يثقون به ويعلمون أن المساعدات ستصل الى حيث يجب أن تكون.
عند خروج الحكيم من الاعتقال، كان الكولونيل استقال من العمل الحزبي وتحول الى أحد أكبر الرموز المناضلة في تاريخ “القوات للبنانية”. لم يطلب يومًا منصبًا، كان شخصه هو المنصب. لم يسعَ الى الظهور، كان حضوره ألقًا وهيبة واحترام. متصالح مع نفسه ومع مسيحيته الى أبعد الحدود، واثق الخطوة يمشي ملكًا، ولم ينس يومًا إنجازه الكبير “هالمعهد هو أحلى بصمة بحياتي العسكرية” كان يقول.
رحل مؤسس معهد بشير الجميل، وبقي العلامة. رحل الكولونيل وبقي الرجل الطيب الحنون الصلب الانساني المسيحي حتى الثمالة. شرب كؤوس الإيمان مضاعفة. كأس المقاومة لأجل لبنان، كأس المسيح حبيب العمر وعلة الوجود، كأس الشباب المقاومين الشرفاء القديسين بحسب قوله.
“شو كان فيها عظمة هالدورة، هالشباب شو تعذبوا ت تخرجوا، واستوعبوا كيف قوة الجيوش بتكون بعد هالدورات وصاروا هني ذاتن يدربوا معنا وصنعوا المعجزة” قال الكولونيل أسعد ابو جودة، الذي رحل وبقي كولونيل الانضباط، مؤسس معهد بشير الجميل القواتي المسيحي اللبناني العميق، على سن ورمح جبال الأرز تلك، التي عاش وقاوم لأجلها.
