تكتب رولا إبراهيم عن حزب “القوات اللبنانية” كما لو أنها في معركة شخصية مفتوحة، وفي تحدٍ ذاتي لا يفهمه أحد. في كل مقال تقريبًا، وآخره واحد بعنوان “خلط أوراق في ترشيحات القوات: معايير وهمية.. والأولوية للمال وستريدا”، تتكرر النغمة ذاتها، والاتهام ذاته، والإيحاء ذاته.
لا تكاد تمر مناسبة أو قرار تنظيمي إلا ويُستدعى إلى منصة التشكيك، وكأن لا عمل لديها سوى التنقيب في كل تفصيل يخص هذا الحزب تحديدًا. رولا في معركة شخصية لإثبات الذات.
ليس في الأمر مشكلة لو كان النقد موزعًا بعدالة، أو لو كان جزءًا من مقاربة أوسع للحياة الحزبية في لبنان. لكن الإصرار الدائم على هدف واحد، وباللغة نفسها، وبالاستنتاجات المسبقة نفسها، يوحي بأن المسألة أبعد من تحليل سياسي. هو يوحي بحالة خصومة مزمنة، أقرب إلى الحقد السياسي منها إلى القراءة الموضوعية. هل من مرض نفسي عضال أسوأ من انتقاد طرف منذ سنوات وبشكل دائم وهستيري؟
النقد حق. بل واجب. لكن حين يتحول إلى عادة أسبوعية شبه ثابتة، موجهة إلى جهة واحدة من دون سواها، يفقد توازنه. وحين تُقرأ كل خطوة باعتبارها مؤامرة، وكل تبديل باعتباره تصفية، وكل قرار باعتباره دليلاً على سوء نية، نكون أمام سردية جاهزة تُعاد صياغتها في كل مرة وفق الحدث.
كان الأجدى، إن كانت المسألة دفاعًا عن مبدأ “التجديد” و”المعايير”، أن يُطرح السؤال على الجميع. ماذا عن آليات الاختيار في حركة “أمل”؟ ماذا عن تداول الأدوار داخل “الحزب”؟ ماذا عن بنية القرار في التيار ً “الوطني الحر”؟ أم أن معيار المساءلة يصبح فضيلة فقط حين يُستخدم في اتجاه واحد؟
لسنا في وارد تبرير ما نقوم به داخل حزبنا وبكل دائرة انتخابية على حدى، لكن لا بأس بتلك الفكرة البسيطة: الأحزاب التي تُجري مراجعات داخلية وتُبدل في مرشحيها تُخاطر، نعم. لكنها على الأقل تتحرك. أما الأحزاب التي لا تمس أسماءها ولا مواقعها منذ سنوات طويلة، فلا يبدو أنها تستفز قلم الكاتبة بالقدر نفسه. وهذه الانتقائية كفيلة وحدها بإضعاف أي ادعاء بالموضوعية.
ثم إن شؤون أي حزب تبقى شؤونه. يمكن مراقبتها، يمكن نقدها، لكن لا يمكن التعامل معها كأنها ملكية عامة لكل من يرغب في إعادة صياغتها وفق هواه. الحزب يحاسَب أمام جمهوره وصناديق الاقتراع، لا أمام مقالات رأي تُبنى على “يُقال” و “يُحكى” و”ثمّة من يلمِح”، وبقية الصيغ الأدبية في مقالات السيدة رولا.
ومن باب المكاشفة أيضًا، لا يمكن تجاهل السياق الأوسع. فهذه الحملة الدائمة لا تبدو منفصلة عن المناخ السياسي والإعلامي المحيط بها في جريدة “الأخبار”. وحين نرى أن زوجها، غسان سعود، يدير اليوم مواقع إلكترونية، بعضها مع السير وغيرها عكسه، والتي تعج بمقالات تستهدف “القوات اللبنانية” كل يوم، فيما تُبذل، في المقابل، جهود واضحة لمغازلة قوى سياسية أخرى من أجل القبول به مرشحًا في بيروت، يصبح من المشروع طرح السؤال: هل يجيز الطموح السياسي كل هذا الحقد الأعمى؟
لا أحد يُلام على طموح سياسي طبعًا، ولا على السعي إلى ترشيح أو موقع. لكن حين يتزامن الهجوم المنهجي على طرف واحد مع مساعي واضحة للتقرب من أطراف أخرى، يفقد الخطاب صدقيته. يصبح النقد أداة، لا غاية. ويصبح المقال جزءًا من تموضع، لا قراءة مستقلة.
نحن نفهم أن الصحافة مهنة، وأن المقال الأسبوعي قد يكون موردًا ماليًا ثابتًا. لا عيب في أن تسعى الكاتبة إلى معاش تعتاش منه. لكن لا بأس ببعض الموضوعية. لا بأس بأن يُمنح القارئ تحليلاً متوازنًا، لا خصومة مفتوحة. لا بأس بأن يُنتقد الجميع بالمقياس نفسه.
في النهاية، يمكن للحقد السياسي أن يرفع سقف اللغة، وأن يضخم الأمور، وأن يُعيد تدوير الاتهامات. لكنه لن يُغيّر حقيقة بسيطة: الأحزاب تُقاس بأفعالها وبنتائجها، لا بمقالات خصومها. ومن يراهن على تحويل مقال إلى ساحة تصفية حساب، قد ينجح في إثارة الضجيج، لكنه لن ينجح في مصادرة قرار حزب أو خيارات جمهور، وطبعًا سيسمع الجواب.
على العموم، يا ست رولا، عالهدى علينا. فليس كل اختلاف خصومة، ولا كل قرار مؤامرة، ولا كل تبديل إعلان حرب. أحيانًا، القليل من الهدوء يكفي ليُرى المشهد كما هو… لا كما نريده أن يكون.
وهذا أول الغيث.
تحيات.
جويس تابت – نائب رئيس جهاز التنشئة السياسية في حزب القوات اللبنانية

