“إذا أردتم الاستسلام فاحصلوا على الإجماع الوطني للمذلّة”.
نعيم قاسم في 16 شباط 2026
لقد أتت عبارة الشيخ نعيم قاسم من ضمن خطاب التملص من تداعيات قرار حزبه وقيادته المنفرد المتخذ في 8 تشرين الأول من العام 2023 بالإسناد، والذي أدى وأودى بـ”الحزب” وقيادته وهيكليته وكوادره وعناصره الى ما أدى وأودى اليه، كما أتت معركة أولي البأس على ما سماها الأمين العام الخليفة نعيم قاسم، على ما تبقى من ضحايا وجرحى ونازحين وبنى تحتية وأبنية ومنازل وخسائر اقتصادية، من الحافة الأمامية على الحدود الى كافة قرى الجنوب والبقاع والشمال وجبل لبنان، وصولًا الى قلب العاصمة بيروت مع ضواحيها، ليكرر “الحزب” في 2023 ـ 2024 خطيئة حرب تموز من العام 2006 والذي اتخذ قرارها منفردًا، خارجًا عن ال‘جماع الوطني، متخطيًا إرادة اللبنانيين، والتي انتهت بالقرار 1701، تمامًا كما انتهت الحرب التي تبعتها في 27 تشرين الثاني من العام 2024 باتفاق وقف إطلاق النار. ولو قدّر لسيد “الحزب” الراحل نصرالله أن يقرأ في بنوده، لكرر تلاوة فعل الندامة نفسه الذي تلاه عقب حرب تموز، مؤكدًا مسؤولية “الحزب” بشخص أمينه العام وحده، عن كل ما جرى، وليقول عن قرار الإسناد كما قال عن قرار أسر الجنديين في 27 آب من العام 2006: “تسألينني لو كان هناك احتمال واحد في المئة أن توصل عملية الأسر في 12 تموز الى حرب كالتي حصلت أقول قطعًا لا! لأسباب إنسانية وأخلاقية واجتماعية وأمنيّة وعسكرية وسياسية، لا أنا بقبل ولا الحزب بيقبل ولا الأسرى اللي بالسجون الإسرائيلية بيقبلوا ولا أهالي الأسرى بيقبلوا”ّ!
أما بالنسبة لاتفاق وقف إطلاق النار الناتج عن قرار “الحزب” بالإسناد، فعلى الرغم من أن “الحزب” وبيئته احتفيا واحتفلا به كانتصار كبير لا يقل أهمية عن انتصار تموز من العام 2006، على ما أكد مرارًا الشيخ نعيم قاسم وكافة مسؤولي وإعلاميي “الحزب” وملحقيه، فإن حساب الحقل، في الرئاسة وخطاب القسم والحكومة وبيانها الوزاري والقرارات المتخذة في 5 و7 آب و7 أيلول من العام 2025 وجلسة الحكومة المتزامنة مع خطاب قاسم في 16 شباط من العام 2026، والتي استمعت الى خطة قيادة الجيش عن استكمال بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها شمال الليطاني، لاتنطبق على حساب بيدر “الحزب” وأمينه العام الذي كان دعا الحكومة قبيل الجلسة “اوقفوا كل تحرّك عنوانه حصر السلاح”.
أما في ما بدأنا به مقالنا عن “المذلة” التي يرمي بمسؤوليتها على الدولة والحكومة، فنتوقف عند اتفاق الإذعان الذي تسبب به “الحزب” والذي وصّفه الأخ المفوّض من “الحزب” بتوقيعه، الأستاذ نبيه بري في 29 آب من العام 2025: “يا محلا 17 أيار”، أي اتفاق العام 1983 والذي قيل إنه اتفاق “الذل والعار”، وجاءت هذه العبارة على لسان حسن نصرالله، ضحية قرار الإسناد، الذي قال في 20 أيار من العام 2022: “في 17 أيار لدينا اتفاقية الذل والعار، التي وقعتها الحكومة اللبنانية”.
كذلك، تساءل النائب الممانع الفائز على لائحة “الحزب” في دائرة بعلبك الهرمل جميل السيد، في 19 كانون الثاني من العام 2025: “لماذا الاتفاق في لبنان هو بطعْم الهزيمة والاتفاق في غزة بطعْم الفخر والانتصار؟ هي اسئلة كثيرة يظلّلها الشككّ والغضب والإهانة”.
ما سببه “الحزب” للبنان واللبنانيين من مذلة وإهانة وشعور بالهزيمة واليأس والعجز عندما كان قرار الحرب والسلم والعلاقات الخارجية والقرارات الاقتصادية المعيشية بيده منفردًا، عبّر عنه مسؤول “ملف الموارد والحدود” في “الحزب” النائب السابق نواف الموسوي الذي قال لتلفزيون الميادين في 3 آذار من العام 2025: “إنجازات الإسرائيلي التي يتفاخر بها ضدنا لم تكن ناجمة عن ذكاء، بل عن قصور لدينا وأحيانًا تقصير، مثل هجوم البيجر” الذي أودى بحياة 37 مقاتلاً وجرح أكثر من 4 آلاف شخص، وكان يفترض بالسيد نصر الله (رحمه الله) أن يتخفّى، لا أن يكتفي بالاحتماء فقط، وأن يتخذ تدابير أكثر حذرًا… لكن من الواضح أن السيد والمجموعة التي كانت معه وقت استشهاده اتخذوا قرار البقاء في الضاحية الجنوبية استنادًا إلى ثقة في اتفاق الهدنة المعلن لمدة 21 يومًا، ولم يتوقعوا أن نتنياهو كان يكذب ويمكر ويخطط لخرق هذا الاتفاق… وصفي الدين أخطأ ببقائه في نفس مكان اغتيال نصر الله… كيف أنّ الجهات المعنية في الحزب لم تبادر إلى فحص أجهزة البيجر”، مع أنه قال في المقابلة “إنّ الحزب قادر على تعريض الاحتلال لضربات إذا عوّض القصور وأنهى التقصير وحلّ الاختراقات التقنية والبشرية”، ومع اعتبار “الحزب” وأمينيه العامين السلف والخلف ونواف أن عملية تفخيخ البيجر ترقى الى “جريمة الحرب”، كشف الموسوي “أن الحاج عماد مغنية هو مَن اخترع تفخيخ البيجر سابقًا”.
وعبّر نعيم قاسم عن هذا القصور الذي أدى الى اتفاق ذل وعار آخر بعد 17 أيار من العام 1983، بقوله في تاريخ 27 كانون الثاني من العام 2025: “إن بعض جمهور المقاومة لديه تساؤلات وتفاجأ بما حصل”، مؤكدًا أن هذا حق مشروع.. “الحزب لم يتوقّع قتل القيادات بهذه الطريقة وبهذه الشموليّة… الانكشاف المعلوماتي وسيطرة العدو على الاتصالات والذكاء الاصطناعي وسلاح الجو، الذي غطّى لبنان بكامله من العوامل المؤثرة في الضربات التي وجهت… والحزب يجري الآن تحقيقًا لأخذ الدروس والعبر واتخاذ الإجراءات اللازمة”… وخير دلالة على “المذلة” التي أوصلنا اليها “الحزب” بقراراته الخارجة عن الشرعية وعن الاجماع الوطني، يظهر في ما قاله الرئيس جوزيف عون أمام القمة العربية في 4 آذار من العام 2025 : “حين تُحتلُ بيروت، أو تُدمّرُ دمشق، أو تُهدّدُ عمّان، أو تئنُّ بغداد، أو تسقطُ صنعاء، يستحيل لأيٍ كان أن يدّعي، أنّ هذا لنصرة فلسطين”… وفي ما عاد وأكد عليه رئيس البلاد في 20 كانون الثاني من العام 2026 بدعوته “الحزب” من دون أن يسميه الى “عدم زج لبنان في مغامرات انتحارية”.
.jpg)