.jpg)
في تجربة حضرية لافتة، قررت بعض المدن استبدال الإضاءة التقليدية الصفراء في الشوارع بمصابيح ذات طيف أزرق، في محاولة غير تقليدية للتأثير على السلوك العام وتقليل معدلات الجريمة ليلًا. الفكرة تقوم على فرضية نفسية بسيطة: الألوان تؤثر في الحالة المزاجية، والحالة المزاجية بدورها تنعكس على السلوك. اللون الأزرق تحديدًا يرتبط في الدراسات النفسية بمشاعر الهدوء، الصفاء، وضبط النفس، على عكس الألوان الحارة التي قد ترتبط بالتحفيز أو التوتر.
في بعض الأحياء التي اعتمدت هذه الخطوة، لاحظت السلطات انخفاضًا في حوادث الشجار والتخريب خلال ساعات الليل. صحيح أن العلاقة بين اللون ومعدل الجريمة ليست مباشرة أو حاسمة، لكن النتائج الأولية شجعت البلديات على توسيع التجربة في مناطق إضافية. الفرضية المطروحة تقول إن الإضاءة الزرقاء تخلق بيئة بصرية غير اعتيادية، ما يجعل الأشخاص أكثر وعيًا بتصرفاتهم، كما أنها تمنح إحساسًا بالانكشاف والوضوح، فيقل الشعور بإمكانية الاختباء أو التصرف بعيدًا عن الملاحظة.
هناك جانب آخر متعلق بالإدراك البصري. الضوء الأزرق يمنح الشوارع مظهرًا مختلفًا عن الإضاءة الصفراء التقليدية، فيبدو المكان أنظف وأكثر تنظيمًا، ما يعزز ما يُعرف في علم الاجتماع بنظرية “النافذة المكسورة”، التي تشير إلى أن البيئات المرتبة والنظيفة تقلل من احتمالية السلوك التخريبي. عندما يشعر الأفراد أن المكان مراقب ومُعتنى به، تقل احتمالية ارتكاب أفعال مخالفة.
التجربة لم تخلُ من الجدل. بعض الخبراء يرون أن انخفاض الجريمة قد يرتبط بعوامل أخرى مرافقة، مثل زيادة الدوريات الأمنية أو تجديد البنية التحتية في نفس الفترة. كما يشير آخرون إلى أن تأثير الضوء الأزرق قد يكون مؤقتًا، إذ يعتاد السكان عليه بمرور الوقت، فتتلاشى حداثته وتأثيره النفسي. ومع ذلك، فإن كلفة التجربة تبقى أقل بكثير من حلول أمنية معقدة، ما يجعلها خيارًا جذابًا للمدن ذات الميزانيات المحدودة.
بعيدًا عن الأرقام، أثارت الفكرة نقاشًا أوسع حول دور التصميم الحضري في تشكيل السلوك. لم تعد المدن تعتمد فقط على القوانين والعقوبات، بل بدأت تستثمر في “الهندسة السلوكية”؛ أي تعديل البيئة المحيطة لتشجيع سلوكيات إيجابية بشكل غير مباشر. الإضاءة، الألوان، توزيع المساحات العامة، وحتى الموسيقى في بعض الأماكن، كلها أدوات يمكن أن تؤثر في المزاج العام دون تدخل مباشر.
من الناحية العملية، يمكن الاستفادة من الفكرة على نطاق أصغر أيضًا. اختيار ألوان هادئة في أماكن العمل أو الدراسة قد يساهم في تقليل التوتر وزيادة التركيز. وحتى في المنازل، يمكن للإضاءة الباردة أو الزرقاء الخفيفة أن تخلق أجواء أكثر هدوءًا في المساحات المخصصة للاسترخاء. التجربة الحضرية إذًا ليست مجرد قرار بلدي، بل مثال على كيف يمكن للتفاصيل البسيطة في بيئتنا اليومية أن تؤثر في سلوكنا أكثر مما نتصور.
في النهاية، سواء أثبت الضوء الأزرق فعاليته بشكل قاطع أم لا، فإن التجربة تعكس تحولًا مهمًا في طريقة تفكير المدن الحديثة: بدل الاكتفاء برد الفعل، تسعى إلى الوقاية عبر التصميم، وإلى بناء بيئات تشجع على الهدوء والانضباط من خلال عناصر بصرية قد تبدو بسيطة، لكنها تحمل أثرًا عميقًا في النفس والسلوك.