بينما انشغل العالم بمتابعة الجولة الثانية من المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية التي استؤنفت أمس الثلاثاء في جنيف، كانت الغرف المغلقة تشهد “عملية تشريح” قاسية لنقاط القوة الإيرانية. فخلف ستار “المبادئ التوجيهية” التي أعلنها وزير الخارجية الإيراني عاصم عراقجي، يتكشف “صندوق أسرار” التفاوض عن مقايضة أميركية غير مسبوقة، وضعها فريق الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، كشرط وحيد لعبور طهران من نفق العقوبات المظلم إلى ضوء “أوكسيجين” السيولة النفطية.
المعلومات المسربة من كواليس الوفود، وفق مصادر على صلة بدوائر دبلوماسية أوروبية، تشير إلى أن واشنطن نصبت ما يشبه “فخ السيادة”؛ حيث وافقت مبدئياً على رفع الحصار عن البنك المركزي الإيراني وقطاع الطاقة، مقابل “ثمن باهظ” يتجاوز الملف النووي التقليدي. ويتمثل جوهر هذه المقايضة في وقف فوري وشامل لتطوير الصواريخ البالستية العابرة للقارات، وتفكيك شبكات المسيّرات التي تعتبرها طهران “أذرعها الطولى” في المنطقة.
وتلفت المصادر، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإكتروني، إلى أن الأخطر في هذه المسودة هو إصرار الجانب الأميركي على إدراج آلية “العقوبات التلقائية ” Snapback”، التي تمنح البيت الأبيض صلاحية إعادة خنق الاقتصاد الإيراني بضغطة زر واحدة في حال رصد أي خلل تقني، من دون الحاجة لغطاء دولي أو تصويت في مجلس الأمن.
هذه الشروط، تضع النظام الإيراني أمام “معضلة وجودية”، وفق المصادر، فقبولها يعني انتحاراً عسكرياً وتجريداً كاملاً للمخالب التي بناها طوال عقود، ورفضها يعني مواجهة “عواقب صادمة” لوّح بها ترامب؛ وسط تعزيز الحشد العسكري الذي يطوّق السواحل الإيرانية.
وتوضح المصادر، أنه بينما تحاول طهران المناورة لانتزاع “حق التخصيب المدني” كجائزة ترضية لجمهورها في الداخل ولحفظ ماء الوجه، تدرك جيداً أن التوقيع على بنود “صندوق الأسرار” هذا يعني وضع مفاتيح “بقاء النظام” في جيب الإدارة الأميركية”، مشيرة إلى أن هذا ما يفسّر نبرة المرشد علي خامنئي العالية التي تزامنت مع هذه الجولة، موجهاً “رسالة انتحارية” للأساطيل الأميركية بقوله: “لدينا السلاح الذي سيرسل حاملات طائراتكم إلى قاع البحر”، فهذه محاولة لرفع سقف التفاوض قبل الوصول إلى “لحظة التوقيع المريرة”.

.jpg)