#dfp #adsense

جوزف صليبا: الرجل الذي جمع النضال بالإيمان

حجم الخط

جوزف صليبا

في تاريخ الشعوب، ثمة رجال لا يمرّون كعابرين، بل يحفرون أسماءهم في وجدان الأرض كما يحفر الفولاذ مجراه في الصخور. جوزف صليبا الملقّب بالأبونا لمعرفته الهائلة في اللاهوت والإيمان المسيحي، ولشهرته في تلاوة المسبحة والصلوات على الجبهات، ومواظبته على القداس اليومي، ابن بلدة كوكبا الجنوبية، ليس مجرد اسم في سجلات النضال، بل هو تجسيد حيّ لقصة وطن رفض الانكسار، وقصة مقاومة آمنت بأن الحرية تُنتزع ولا تُطلب من أحد.

منذ بداية شبابه، اختار جوزف الدرب الأصعب. انتمى إلى أفواج المدفعية في “القوات اللبنانية”، حيث لم تكن المدافع بالنسبة له مجرّد آلات حديدية، بل كانت صوت الحق الصارخ في وجه محاولات الاحتلال. هناك، في ساحات الشرف، لم يبخل جوزف بشيء، بل سطّر بدمائه قصة صمود أسطورية، في 11 شباط، حين تعرّض لإصابات بليغة كادت أن تنهي مسيرته الجسدية، لكنها لم تلمس روحه الصلبة. خضع الأبونا لسنوات طويلة من العلاج والعمليات الجراحية المعقّدة في الخارج، في رحلة جمع وترميم لجسدٍ قطّعته شظايا القذائف. لكن الأعجوبة لم تكن في العمليات الجراحية، بل في تلك الإرادة التي أعادته من الموت إلى ساحات النضال من جديد، مؤمنًا بأن الجراح هي الأوسمة الحقيقية للمناضل.

حين بدأت مرحلة القمع وحلّ حزب “القوات اللبنانية”، بدأت مرحلة جديدة من النضال الصامت. لوحق في المستشفيات واستجوِب على سرير غرفته وضُيّق عليه الخناق في حراسة مشددة من النظام الأمني السوري اللبناني آنذاك، ما جعله مضطّرًا لمغادرة البلاد والجوء إلى القارة الأفريقية في اختبار جديد للمقاومة والصمود في الخارج، حيث أسس للبنانيين إطارات يجتمعون فيها ويبحثون في خلالها بالحلول للأزمة اللبنانية من الخارج. نعم كانت سنوات الغربة اختبارًا قاسيًا لمدى ارتباطه بالجذور ولمدى حبّه للبنان، ولم تكن أفريقيا بالنسبة اليه إلا محطة ترقب ورجوع الى ربوع الوطن، فقلبه بقي معلقًا بأرز الرب وتراب الجنوب. بعدها عاد جوزف، لأن المناضل الحقيقي لا يجد هويته إلا في هواء بلاده، حتى لو كان ذلك الهواء مثقّلاً بالتحديات.

من قضاء حاصبيا، ومن بلدة كوكبا الخالدة، يبرز جوزف صليبا كخير مثال لابن الجنوب الجريح والمتألم، الذي عرف كيف يحوّل الألم إلى أمل. هو المنارة التي تضيء في عتمة الانكسارات، مبرهنًا أن الالتزام بالقضيّة اللبنانية هو فعل إيمان يتخطى الجغرافيا والمناطق، ليكون صوته صدىً ومحفّز لكل لبناني حر.

فلسفة القضية اللبنانية عند جوزف صليبا ليست مجرد شعارات، بل هي استمرارية وجودية. واليوم، وبعد كل ما مرّ به، يثبت جوزف صليبا أنه لم يتعب ولم يستكن. ولا يزال في طليعة الملتزمين، يسير نحو النهاية بخطى الواثق، متمسكًا بمبادئ “القوات اللبنانية” كعقيدة حياة لا تقبل المساومة.

إلى رفيق الدرب والجرح، جوزف صليبا لك منا، ومن رفاقك في حزب القوات اللبنانية، كل التقدير والمحبة. أنت الذي علمتنا أن القواتيّ لا يتقاعد، وأن شعلة الحرية التي يحملها أمثالك لا تنطفئ أبداً. أنت المستمر إلى النهاية، ونحن معك، بعهد الوفاء والصلابة التي لا تلين.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل