
في تاريخ الشعوب محطات تُقاس بنتائجها، وأخرى تُقاس بالقرار الذي حُسم فيها. قنات تنتمي إلى الفئة الثانية. لم تكن مجرّد واقعة عسكرية في زمن مضطرب، بل لحظة وعي تاريخي اختارت فيها المقاومة اللبنانية أن تتحمّل كلفة قرارها، وأن ترفض أن يكون مصيرها تفصيلًا في خرائط الآخرين
هناك لم يكن السؤال عن الغلبة، بل عن المعنى: أي معنى للوجود إن فُقد القرار؟ وأي قيمة للبقاء إن خضع للمساومة؟
في تلك اللحظة برزت قيادة سمير جعجع بوصفها قيادة قرار لا قيادة ردّ فعل. ما جرى لم يكن انفعالًا ميدانيًا، بل تثبيتًا لمسار سياسي واضح: الدفاع عن المجتمع ضمن رؤية دولة، لا ضمن معادلة ميليشيا. ربطُ المواجهة آنذاك بهدفٍ أبعد، قيام دولة سيدة كاملة المرجعية، هو ما منح قنات رمزيتها المستمرة. فالدم الذي سُفك لم يُقدَّم لميزان نفوذ، بل لخيار سيادي مُعلن، تحمّل أصحابه كلفته كاملة.
شهداء “القوات اللبنانية” في قنات لم يسقطوا في مرحلة، بل دخلوا في مشروع. ومن هنا تنبع قدسية المناسبة اليوم. فالشهادة إن بقيت ذكرى، خفَت أثرها مع الزمن؛ أما حين تتحوّل إلى أمانة في عنق الأحياء، فإنها تصبح معيارًا يُقاس عليه الحكم والموقف والتمثيل.
لم يُلغِ الانتقال إلى زمن الدولة معنى القيادة، بل عمّقه. الخطّ الذي واجه في لحظة الخطر بقي نفسه حين انتقلت المواجهة إلى المؤسسات: وضوح في السيادة، صرامة في الثوابت، ورفض لأي ازدواجية في القرار الوطني. تغيّرت الأدوات، لكن الاتجاه لم يتبدّل.
ضمن هذا الامتداد، تبرز مشاركة السيدة ستريدا جعجع كحضور متجذّر لا طارئ. فهي لا تمثل بشري بصفة إدارية، بل تحمل أمانة خطّ صيغ في أصعب الظروف وتكرّس عبر التضحيات. علاقتها بقنات ليست علاقة موقع سياسي، بل علاقة وفاء ممتدّ منذ سنوات الاعتقال، حين كان الحكيم خلف القضبان، وكانت قنات ثابتة في وجدانه كما كانت هي ثابتة في وجدان أهلها.
هذا الترابط لم يكن يومًا تفصيلًا عاطفيًا، بل عهدًا متبادلًا: دمٌ صان الخطّ، وخطّ صان الدم. لذلك لا تُختصر هذه العلاقة بعنوان نيابي، بل تتجسّد في حضور يومي يعرفه أهل المنطقة ويشهدون له. الإنماء هنا ليس خدمة منفصلة عن القضية، بل شرط لصمودها. مجتمع قوي اقتصاديًا واجتماعيًا هو مجتمع أقدر على حماية خياره السياسي. ومن هنا يصبح العمل المثابر في بشري جزءًا من رؤية تعتبر أن السيادة لا تُصان بالموقف وحده، بل ببناء بيئة ثابتة قادرة على الاستمرار.
تلتقي رمزية قنات اليوم مع مسؤولية النواب في نقطة جوهرية واحدة: تحويل الشهادة إلى مسؤولية حكم. الأمانة التي حملها الشهداء لم تكن أمانة منطقة فحسب، بل أمانة قضية دولة سيدة، قرار واحد، سلاح واحد، ومرجعية دستورية لا شريك لها. هذه القضية يُترجمها نواب “القوات اللبنانية” في بشري داخل المؤسسات، حيث تدور المعركة اليوم على تثبيت الدولة في مواجهة كل منطق يختصرها أو يفرّغها من مضمونها.
المعيار هنا ليس عاطفيًا، بل أخلاقي وسياسي. يُقاس التمثيل بمدى مطابقته للثوابت التي سقط الشهداء دفاعًا عنها، ويُقاس الموقف بمدى وضوحه في حماية السيادة، ويُقاس الإنجاز بمدى خدمته لمشروع الدولة.
قنات ليست ذكرى تُستعاد كل عام، بل معيار يُقاس عليه الحاضر. القرار الذي حُسم هناك لم يكن ظرفيًا، بل تأسيسيًا لمسارٍ واضح: دولة لا تُختصر بمحور، ولا يُشاركها أحد في قرارها، ولا يُساوَم فيها على سيادتها. هذه هي الأمانة التي حملها الشهداء بدمهم، وهي نفسها الأمانة التي تُحمل اليوم في المؤسسات، حيث تتحوّل التضحيات إلى مسؤولية تشريع وموقف وإنماء.
من هنا تبقى العلاقة بين القيادة والناس علاقة عهد لا ظرف، ويبقى التمثيل الحقيقي هو ذاك الذي يطابق خطّ السيادة قولًا وفعلًا. هكذا تُصان الشهادة، لا بالشعارات، بل بالثبات؛ ولا بالعاطفة، بل بالالتزام.
