
مع أن الواقع السياسي الداخلي بدأ يتمحور نحو الأولوية التي يحتلها الاستحقاق الانتخابي، وسط تصاعد التقديرات المتضاربة حيال إنجاز الانتخابات النيابية في موعدها المحدّد أم ترحيلها، فإن التداعيات التي ارتسمت غداة الضربات الإسرائيلية في البقاع نحت جانباً بكل الملفات، أقلّه في اللحظة الحالية بعدما كشف حجم الخسائر خروج الضربات الإسرائيلية عن وتيرتها التقليدية، بما ينذر بتطورات قد تكون على ارتباط بحبس الأنفاس لحسم مصير المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران. ومن المستبعد والحال هذه أن تُحسم وجهة أي ملف داخلي قبل اتّضاح مصير المواجهة الأميركية الإيرانية، باعتبار أن تداعيات الحرب أو التسوية سترتد مباشرة على الوضع في لبنان.
في غضون ذلك، سيشارك لبنان بوفد عسكري رفيع المستوى في الإجتماع التمهيدي لمؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي في باريس الذي سيعقد غداً في القاهرة. ويترأس الوفد كل من قائد الجيش العماد رودولف هيكل والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء رائد عبدالله. وسيضم الاجتماع التحضيري ممثلي المجموعة الخماسية، وهم مبدئياً المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان، وممثل عن السفارة الأميركية بعدما اعتذر السفير ميشال عيسى عن المشاركة لتعذّر تركه السفارة حالياً، ووزير الدولة القطري محمد الخليفي، والأمير السعودي يزيد بن فرحان، إضافة إلى ممثل عن مصر المضيفة للقاء. كما ستشارك المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جانين بلاسخارت.
في سياق متصل، تعقد لجنة “الميكانيزم” اجتماعاً لها في 25 شباط الحالي، بعد فترة استراحةٍ طويلة نسبيّاً. وسيعقد الاجتماع المقبل على مستوى العسكريين فقط، ولن يشارك فيه الجانب المدني.
في أحدث مواقف “الحزب” غداة الغارات الإسرائيلية على البقاع التي أودت بثمانية من كوادره وعناصره، اعتبر النائب علي فياض “أن المسار التفاوضي الراهن الذي تخوضه الحكومة اللبنانية، إنما جعل منه الإسرائيلي بغطاء أميركي، مساراً فارغاً خالياً من المعنى
لبنانياً، سوى أنه يعكس رضوخاً لشروط مفتوحة وخطيرة لا تفضي إلى أي مكاسب لبنانية، بل على العكس، تشكِّل تهديداً خطيراً للمصالح اللبنانية”. وقال “إن مجزرة البقاع بوصفها تتويجاً لتصعيد إسرائيلي مفتوح، يضعنا جميعاً كلبنانيين، وفي طليعتنا الحكومة، أمام الحقيقة التي لا بد من الاعتراف بها ومواجهتها وتحمّل المسؤولية في التعاطي معها، وهي أنه لا يجوز لهذا الواقع أن يستمر ولا يصحّ أن نتعايش مع هذه الإعتداءات وكأنها وضع طبيعي يجب أن نتعايش معه، بل لا بد من إعادة تقويم الموقف اللبناني برمته”. واعتبر أن “اجتماعات الميكانيزم فارغة ومشبوهة، وسياسة التنازلات تشجّع الإسرائيلي ولا تدفعه إلى التراجع”، لافتاً إلى “أن إعلان الجيش الإسرائيلي عن نيته البقاء في أرضنا وإمعانه في اغتيال شبابنا وتدمير أرزاق أهلنا، هو مسوِّغ بحد ذاته لحق الشعب اللبناني في المقاومة في سبيل الدفاع عن نفسه وأرضه، وخاصة في ظل سقوط البدائل وفشل الخيارات والرهانات الأخرى”.
لعلّ ما زاد الأفق الداخلي تلبّداَ أن تعقيدات الاستحقاق الانتخابي تتّجه إلى مزيد من التأزم بعدما أقدم رئيس مجلس النواب نبيه بري على الكشف علناً، أن سفراء المجموعة الخماسية أبلغوه مباشرة أنهم يحبّذون إرجاء الانتخابات النيابية. ولم يُفهم إعلان بري هذا إلا في إطار إظهار “صدقية” موقفه من إجراء الانتخابات في مواعيدها حتى مع وجود رغبة دولية “مزعومة” بإرجائها.