

عنوان المسلسل “المحافظة 15”. الكاتبة كارين رزق الله، بطل العمل يورغو شلهوب، المخرج سمير حبشي، الانتاج مروى غروب، الصدى قنبلة انفجرت على الشاشة الصغيرة، وطرطشت شظاياها وجع اللبنانيين المعتق بالمعاناة والنكران والضيق والغضب وكل ألم السنين ذاك.
جوزف هليط، علي أبو الدهن، ريمون وميشال سويدان… والعشرات العشرات سواكم من المحررين سابقًا وبأعجوبة من أقبية سفاح الشام، هل تحضرون اليوم مسلسل المحافظة 15؟ وما شعوركم وأنتم تتابعون تلك التحفة الفنية؟
كيف لعنوان مسلسل أن يفتح جروحًا فائقة الألم بهذا الشكل؟! كيف لعبارة واحدة، “أنا لبناني”، قالها الممثل يورغو شلهوب لحظة فتح السجون في صيدنايا، على أثر انهيار نظام بشار الأسد، أن تبكي بدقائق قليلة ملايين اللبنانيين هنا وفي الانتشار، ولتنطلق من بعدها فصول المسلسل القضية؟!
اسألوننا نحن عن معتقلات سفاح الشام، اسألوا المقاومين في “القوات اللبنانية” الذين اعتُقلوا لأنهم قوات واعتقل المئات سواهم بتهم “التعامل” مع “القوات اللبنانية” وحتى اللحظة، حتى اللحظة لا نعرف مصيرهم.
لا نتكلم هنا عن المعتقلين اللبنانيين في مجارير الوحش بشار الأسد، إنما عن مسلسل لبناني لأول مرة في تاريخ الأمة، يتجرأ ويتناول موضوعًا بالغ الحساسية وهو المعتقلين في سوريا. مسلسل فتح سجون المحظورات في الكتابة، وانطلق قلم الكاتبة والممثلة كارين رزق الله ليخترق عتمات المحظورات المفُتعلة تلك، ويفتح جروحات آلاف اللبنانيين الذين جرجرهم جبناء النظام الأسدي وعملاؤهم في لبنان، على مدى عشرات السنين بعد ابتزازهم ونهبهم آلاف الدولارات ليعرفوا مصير أحبائهم في المعتقلات، وما عرفوا، وبعضهم ما عاش ليعرف، مات في خيمة الإسكوا تلك متكئًا على الانتظار، أو مات بحسرته على قارعة الخيبة والدولة المتواطئة مع المحتل السوري آنذاك.
من العنوان انطلقت القضية، “المحافظة 15” التي كانت حلم حافظ الأسد ومن بعده بشار لضم لبنان الى المحافظات الأربعة عشر في سوريا، “وطبعًا ما كان ممكن هالشي يتحقق” قالتها كارين رزق الله بعنفوان في إحدى مقابلاتها. كانوا يريدون لبنان مجرد محافظة سورية، وكاد أن يحصل ما أرادوا لولا تدخل مقاومة حالمة بالحرية والسيادة، عرقلت حلم المحافظة ذاك، لكنها دفعت أغلى الأثمان على الإطلاق، استشهادًا تعذيبًا واعتقالًا.
في المسلسل، يخرج يورغو شلهوب من اعتقال 28 عامًا. دخل المعتقل شابًا وخرج عجوزًا، بدا وكأنه كائن مذعور، هجين على الحياة، نظراته تائهة خائفة غير محددة، منحني الظهر خائفًا من الشمس والتراب والحركة وكل مظاهر الحياة، ما إن يسمع صوتًا حتى يهب مذعورًا، آثار التعذيب محفورة على جسده وفي روحه، إنسان صار لا شيء في قفص بعدما تحول البشر الذين اعتقلوه، الى حيوانات كاسرة نهشت انسانيته بأنياب حادة. يورغو شلهوب المبدع هو كل معتقل لبناني محرر من دهاليز التعذيب السورية تلك، بدا وكأنه لا يمثل، إذ تماهى مع دوره وكأنه اعتُقل فعلًا، ولما خرج الى الحياة بدا له أن الحياة كلها اعتقلته في المكان وتحررت منه. أي جرأة تلك في الكتابة، أي تمثيل مبدع ذاك، أي إخراج دخل الى أعماق الشخصية ليستخرج منها كل ذاك الألم، الذعر التردد الإبداع، أي مخرج مبدع ذاك يا سمير حبشي.
مسلسل لبناني وقضية لبنانية، يشارك فيه ممثلون سوريون لأن حكاية المسلسل تفرض وجود سوريين من ضمن الحبكة، إذ إن الشعب السوري المعارض لنظام وحوش الأسد “الكرام” عانوا أيضًا أقسى أنواع الاضطهاد، ووجب حضورهم في المسلسل. والأهم بعد، أن الممثلين اللبنانيين أثبتوا أنهم الأقوى والأكثر إبداعًا عندما يتوافر الإنتاج الجيد والسيناريو الجيد والإخراج الجيد، وأنهم لا يقلون إبداعًا أبدًا عن الممثلين السوريين أو المصريين.
“أنتِ يللي طوشت الدني إيام الوجود السوري”؟ سأل الضابط المناضلة. “ما اسمو وجود اسمو الاحتلال السوري”. يا الله يا كارين رزق الله، قول الأشياء بأسمائها، هو الاحتلال اجابت ابنة كارين التي تلعب دورها وهي صبية في عز نضالها لمواجهة الاحتلال، ابنة كارين هي نحن لما كنا ننزل الى ساحة الشهداء وتأتي القوى الأمنية وترشنا بخراطيم المياه، وتبدأ باعتقال الشباب “عن بو جنب”، وتقودهم الى السجون ليوقِعوا بالقوة على عدم التعاطي بالسياسة، ولما يخرجون يعتقلهم النظام الأمني اللبناني السوري من جديد ويرميهم في ظلامات السجون ولا دولة تسأل عنهم.
هذا هو الجرح المفتوح الذي لا يزال ينزّ حتى للحظة. هذا هو مسلسل المحافظة 15 الذي وضع سكينًا بقلب الجرح، سكين حاد عميق موجع، تغلغل في عصب الدماء وبدأت الدماء تسيل من جديد وتسأل أين معتقلينا؟ أين الـ600 لبناني الذين نكرهم ذات يوم أحد رؤساء جمهورية لبنان وكثر سواه، واستكتروا على أهاليهم الاعتراف بوجودهم. مسؤولون لبنانيون تحولوا الى نسخة من السفاح بشار الأسد بنكرانهم، ليصلوا على جثث اللبنانيين الى كراسيهم المدممة، ولما خرج بعض من هؤلاء المعتقلين في العام 2000 نكرتهم الدولة ورفضت معالجتهم، كما رفضت مشروع قانون تقدمت به “القوات للبنانية” لتقديم التعويضات لهم، أسوة بالمحررين من السجون الإسرائيلية. هذا ما فعله المسلسل، فتح الجروحات كافة وإن كان لم يتطرق الى كل تلك التفاصيل.
سيُكتب الكثير الكثير بعد عن هذا المسلسل، ولعل أهم ما فيه أنه مسلسل قضية، وهذه هي رسالة الفن الحقيقية، رسالة ليس هدفها فقط الإضحاك أو الإبهار وما شابه، إنما أن يحمل قضية إنسانية كبيرة كقضية المعتقلين، أن تكون رسالة جريئة لا تخاف المحظورات ولا محظورات في الحق والحقيقة. مسلسل المحافظة 15 وعلى الرغم من حلقاته الأولى، فعل ما لم تفعله السياسة على مدار السنين، السياسة والسياسيين الذين تواطئوا على اللبنانيين وتجاهلوا عمدًا قضية المعتقلين في سوريا، نكزهم المسلسل في ضميرهم الميت المتبقي، صرخ بوجههم أن “التفتوا الى أبنائكم، اسألوا عنهم يا وحوش” وحوش وليس أقل، ومن يتواطأ مع السفاح هو سفاح مثله.
ليست المرة الأولى التي تخترق كارين رزق الله بكتاباتها المحظورات، في مسلسل “إنت مين” تحدثت عن مقاتل في “المقاومة اللبنانية” بكل شفافية وجرأة، وها هي من جديد تفتح جرحًا أقسى بكثير، تحية لك يا سيدة مقاومة في حروفك، ترفض التملق والمحاباة والتلاعب بالحقيقة لترضي الجمهور “الحبيب”، ولا تتردد في أن تعلن أن السوري كان محتلًا، وأن تعلن جروح المقاومين، وتعلن على الدولة غضبها لنكرانها المعتقلين في سوريا، وتعلن مع رفاقها في المسلسل وبإدارة مخرج مبدع، كل الإبداع في الدراما اللبنانية المستخرجة من معاناة شعب عظيم بمقاومته وفنونه كافة.
وبناء على ما تقدم، على كل لبناني أن يتابع ذاك المسلسل، لأنه واجب وطني وليس مجرد متعة المتابعة على وليمة وكأس، لأن الكأس هنا هي آلام المعتقلين وأهاليهم، والوليمة هي درب جلجلة وطن تتماهى مع درب جلجلة المسيح، في عمل درامي هو نحن في الكثير الكثير من فصوله، وليس أقل.
