#dfp #adsense

المشي في البرد قد يحسّن التركيز أكثر من القهوة

حجم الخط

مع انخفاض درجات الحرارة في فصل الشتاء، يميل كثيرون إلى تجنب الخروج، مفضلين البقاء في أماكن دافئة مع فنجان قهوة يعيد إليهم النشاط. لكن دراسات حديثة بدأت تلفت الانتباه إلى بديل طبيعي ومجاني قد يمنح تأثيرًا مشابهًا، بل أحيانًا أقوى: المشي في الهواء البارد. فالتعرض القصير للبرودة المعتدلة لا يوقظ الحواس فحسب، بل يحفّز سلسلة من التفاعلات الفسيولوجية التي تنعكس مباشرة على التركيز والانتباه.

عندما يتعرض الجسم لدرجة حرارة منخفضة، حتى لبضع دقائق، يبدأ الجهاز العصبي بإطلاق استجابة تنشيطية تُعرف أحيانًا باستجابة “اليقظة الباردة”. تنقبض الأوعية الدموية السطحية للحفاظ على حرارة الجسم، بينما يزداد معدل ضربات القلب قليلًا، ويُعاد توجيه تدفق الدم نحو الأعضاء الحيوية، وعلى رأسها الدماغ. هذه الزيادة النسبية في تدفق الدم المحمّل بالأكسجين تُسهم في رفع مستوى اليقظة الذهنية، وتحسين سرعة المعالجة المعرفية، وتعزيز القدرة على التركيز في المهام التي تتطلب انتباهًا مستمرًا.

في المقابل، تعتمد القهوة على الكافيين الذي يعمل على حجب مستقبلات الأدينوزين في الدماغ، ما يقلل الشعور بالنعاس مؤقتًا. ورغم فعاليته، إلا أن تأثير الكافيين غالبًا ما يكون مصحوبًا بارتفاع مفاجئ في الطاقة يعقبه انخفاض لاحق، وقد يسبب لدى بعض الأشخاص توترًا أو تسارعًا في ضربات القلب أو صعوبة في النوم. أما المشي في الهواء البارد، فيمنح تنشيطًا تدريجيًا وأكثر استقرارًا، دون الاعتماد على محفزات كيميائية خارجية.

الأمر لا يتوقف عند الجانب الفيزيولوجي فقط. فالمشي بحد ذاته يحفّز إفراز الإندورفينات، وهي مواد كيميائية طبيعية تعزز الشعور بالراحة وتحسّن المزاج. وعندما يقترن هذا النشاط بالحركة في بيئة خارجية، ولو كانت باردة، تتضاعف الفوائد النفسية. الهواء النقي، والتعرض لضوء النهار، حتى في الأيام الغائمة، يساعدان في تنظيم الساعة البيولوجية للجسم، ما ينعكس إيجابًا على جودة النوم ليلًا، وبالتالي على مستويات التركيز في اليوم التالي.

كما تشير أبحاث في علم النفس البيئي إلى أن تغيير البيئة، خصوصًا الانتقال من مكان مغلق إلى فضاء مفتوح، يعيد “ضبط” الانتباه. الدماغ الذي يرهقه العمل أمام الشاشات لساعات يستفيد من محفزات حسية طبيعية: برودة الهواء على الوجه، صوت الرياح، تغير الإضاءة. هذه العناصر البسيطة تعمل كإعادة تشغيل ذهنية، فتخفف الإرهاق المعرفي وتحسّن القدرة على استعادة التركيز عند العودة إلى العمل.

ولا يعني ذلك التعرض لدرجات حرارة قاسية أو البقاء طويلًا في البرد، بل يكفي المشي لمدة 10 إلى 20 دقيقة في طقس بارد معتدل، مع ارتداء ملابس مناسبة. الهدف ليس إحداث صدمة للجسم، بل منحه تنبيهًا طبيعيًا يحفّز أنظمته الحيوية. حتى فتح النافذة لبضع دقائق وأخذ أنفاس عميقة قد يكون له أثر ملحوظ.

في زمن يتزايد فيه الاعتماد على المنبهات السريعة لمواجهة التعب الذهني، يبدو أن الحل قد يكون أبسط مما نعتقد. خطوة خارج الباب، نفس بارد عميق، وحركة خفيفة كفيلة بإعادة شحن الدماغ بطريقة طبيعية ومتوازنة. ربما لا يحل المشي في البرد محل فنجان القهوة الصباحي بالكامل، لكنه يقدّم بديلًا صحيًا وفعّالًا لتحفيز التركيز، دون آثار جانبية ودون تكلفة تُذكر.

خبر عاجل