
في تاريخ الشعوب لحظات يتجاوز فيها الزمن رقمه في الروزنامة ليصبح علامة في الضمير الوطني، ويغدو المكان أكثر من جغرافيا ليصير ذاكرةً حيّة تختزن الألم والمعنى والرجاء. هكذا يطلّ السابع والعشرون من شباط كل عام، لا كتاريخ عابر، بل كجرح مفتوح في وعينا، وكموعدٍ مع الحقيقة التي يجب أن تتحقق. وهكذا تقف كنيسة سيّدة النجاة في ذوق مكايل، لا كحجارةٍ مقدّسة فحسب، بل كشاهدٍ صامت على مأساة حاولت ضرب الإنسان في إيمانه وأمنه وكرامته، فإذا بها تتحوّل رمزًا لصمودٍ لا يُقهر.
ليست الذكرى مجرّد استعادة لحدث مؤلم، بل مواجهة مع معنى الشهادة في وجدان جماعة تناضل من أجل الحريّة والإنسان في لبنان. ففي تلك اللحظة، لم يُستهدف أفرادٌ أبرياء فقط، بل استُهدف الإيمان بلبنان كمساحة حريّة. ومع ذلك، لم ينتصر العنف، لأن الدم الذي سُفك لم يتحوّل إلى خوف، بل إلى قوّة إيمانيّة، لمتابعة النضال وحراسة المعنى الذي استشهد من أجله الأبرياء.
إن الوقوف إلى جانب ذوي الشهداء ليس فعل تعزية فحسب، بل فعل اعتراف مستمرّ بأن الألم الشخصيّ تحوّل إلى ألم مشترك وقضيّة عامة، وبأن الدموع التي سالت هناك أصبحت جزءًا من ذاكرتنا. في حضرة هذه الذاكرة، يصبح الصمت صلاة، وتغدو الصلاة موقفًا، ويتحوّل التذكّر إلى فعل “مقاومة مستمرّة”، لأن الشعوب التي تنسى آلامها تفقد قدرتها على حماية مستقبلها. وعلى الرغم من أن “الكنيسة” والزمن المذكور شكّلا بداية جلجلةٍ امتدّت لسنوات طويلة من القهر والتعذيب والنضال السرّي الذي خاضه القواتيّون والمجتمع المسيحي الحرّ دفاعًا عن وجوده وكرامته، فإن “نظام” ذلك القهر سقط إلى غير رجعة، وانتصرت إرادة الحريّة التي أثبتت أنها أقوى من أدوات القمع.
السابع والعشرون من شباط، لحظة وعي وتأمّل. وكنيسة سيّدة النجاة ليست موقعًا للذكرى فحسب، بل مساحة لقاء بين الأرض والسماء، بين الألم والرجاء، بين الشهادة والقيامة. من هناك، يتجدّد العهد بأن لبنان الذي نريده ليس فكرة رومانسية، بل مشروع حياة قائم على الحريّة والكرامة والعدالة وسيادة القانون. ومن هناك أيضًا يتكرّس الإيمان بأن دم الأبرياء لا يضيع، بل يتحوّل بذرةً لقيامة وطن، يمتلك اليوم أبناؤه الحقيقيون الشجاعة والقدرة على متابعة النضال لمواجهة ما تبقى من مظاهر الظلم، والتمسّك بالإنسان كقيمة عليا… وهم بالفعل يريدون ويستطيعون، وقد أثبتت السنوات التي مضت ذلك.
إن الجرأة الحقيقية في إحياء هذه الذكرى لا تكمن في تذكّر ذاك الألم، بل في رفض تحويله إلى صفحة مطويّة. فالذاكرة مسؤولية، والشهادة أمانة، ولبنان الذي نحلم به لا يولد من الإهمال والنسيان، بل من الحرص والوفاء. وها هي القوّات اللبنانية، مع ذوي الشهداء، تقف اليوم وفيّة لقضيّتهم التي حفرت عميقًا داخل “القضية اللبنانية”، تستذكر الألم ببطولة وكرامة، وتواصل المسيرة بإيمان لا يتزعزع بأن التضحية لم تكن عبثًا بل خطوة على طريق وطنٍ حرّ. وفي كل 27 شباط، نعود إلى المكان الذي اختُبر فيه الإيمان، لنجدّد العهد بأن نبقى أوفياء للحقيقة، ثابتين في الرجاء، ومؤمنين، كما دائمًا، بأن وطنًا تعمّد بالألم قادرٌ أن يقوم على العدالة والحريّة والكرامة الإنسانية.