#dfp #adsense

الظاهرة الأبشع… تدخّلوا من أجلنا!! 

حجم الخط

صحيفة النهار – نبيل بومنصف

 

بإزاء التزامن الحاصل بين تعقيدات الملف السياديّ المتصل بنشر الجيش اللبناني سلطته الحصرية على سائر المناطق اللبنانية، ونزع السلاح غير الشرعي لـ”الحزب” والمنظمات الفلسطينية كافة، وملف الاستحقاق الانتخابي المقترب من مهله القانونية المحددة، تتصاعد في لبنان ظاهرة غالباً ما شكلت “نقطة عارٍ” سياديةٍ فاضحةٍ منذ عقودٍ طويلة، هي ظاهرة “استجرار” تدخلات السفراء، إذا صح التعبير، لئلا نقول توسّل تدخلاتهم، في الشاردة والواردة، كأن البلد الذي سحقته على امتداد حقبات الأزمات الوجودية والحروب التي ضربته والاحتلالات والوصايات التي كادت أن تجهز على خصائصه الفذة، بل وهددت هويته الوطنية والإنسانية المميزة، لم يمر بكل هذا ولا شيء تبدّل فيه من حيث خطاب سياسي يتكيف تكيفاً مخزياً مع الحديث عن تدخلات السفراء في الصغيرة والكبيرة.

 

يغدو الأمر شديد الوطأة عند ربط تعقيدات العبور إلى مواعيد الانتخابات النيابية بإرادات دولٍ مؤثرةٍ في مجريات القرار الرسمي اللبناني، على غرار ما حصل في الفترة الأخيرة، بالحديث عما زعم أنه رغبة سفراء مجموعة الدول الخماسية المعنية بمتابعة الملف اللبناني في إرجاء الانتخابات النيابية إلى ما بعد إنجاز خطة حصر السلاح في يد الدولة اللبنانية.

 

حين يتصل الأمر بالوضع الخطير المهدد بحرب إسرائيلية جديدة نتيجة تهديدات “الحزب” بالتورط الانتحاري مجدداً في أي مواجهة بين أميركا وإيران، لا مفرّ للبنان من اللجوء الدائم إلى السفراء المؤثرين ودولهم، لأن واقع لبنان منذ نشوء الصراع العربي – الإسرائيلي ارتبط بالاحتكام إلى المظلة الدولية، بدليل أن الشاهد التاريخيّ الأول على التدخل الدولي “الحميد” في النزاع كان اتفاق الهدنة المعقود بين لبنان وإسرائيل عام 1949، ومن ثم انتداب قوة دولية في الجنوب اللبناني منذ عام 1978 حتى الآن بلا انقطاع. بمعنى أن الجانب المتصل بحماية سيادة لبنان كان ولا يزال يفرض حتماً تطبيع علاقات ديبلوماسية اضطرارية تجيز تدخلات غير عادية، قياساً بعلاقات بلدان تعيش ظروفاً طبيعية ولا مكان فيها لاستثناءات من شأنها فتح مسالك التدخلات الأجنبية الخارجية في شؤون البلدان الداخلية.

ومع ذلك، فإن هذه الناحية التاريخية صارت أشبه بهامش عرضي أمام تضخّم التدخلات الخارجية في الداخل السياسي، إن بفعل موروث الأزماتٍ التي كانت ولا تزال تستبيح لبنان للمصالح المتضاربة إقليمياً ودولياً، سواء على يد دول وأنظمة مثل سوريا وإيران، أو بفعل تموّجات مواقف الدول الحليفة للبنان التي تنظر إليه بعد أكثر من نصف قرن على انفجاره في السبعينات من القرن الماضي، على أنه البلد غير القابل لأن يشكل دولةً منيعةً كاملة المواصفات

والحال أنه بصرف النظر عن النزعة التقليدية للبنانيين، بمعظم اتجاهاتهم، لتحميل الخارج تبعات ما أصابهم ويصيبهم من أزمات، فإن الاستهانة باستدراج التدخلات الخارجية من خلال اقحام السفراء في الملفات والاستحقاقات الداخلية، لعب ويلعب دوراً خطيراً متعاظماً في سلوكيات الطبقة السياسية، كما في اختباء السلطات المتعاقبة وراء إراداتٍ خارجية.

 

الجاري الآن في تجاذبات الأزمة المتعلقة بانتخاباتٍ نيابيةٍ محددة المهل حكومياً، بما يحسم دستورياً وقانونياً أي شك في وجوب إجرائها بمواعيدها، يشكل أكبر دليل على واقع إدماني مريض سواء أجريت الانتخابات في مواعيدها أم جرى ترحيلها، لأن أعراض الإدمان على تدخل الدول لم تعد تنتظر الاستحقاق بذاته بعدما انكشف تلاعب قوى داخلية واستدراجها تدخلات السفراء واستهانتها بها. هي لعبة لحس مبرد داخلياً غالباً ما تفضي إلى افتضاح طبقة ومنظومة لا تجد حرجاً أو غرابةً في ما امتهنته طوال عقود. وحتى لو أجريت الانتخابات، فإن ذلك لن يبدل شيئاً في هذه الآفة المقيمة!

المصدر:
النهار

خبر عاجل