تعيش المنطقة تحولات تاريخية كبرى قد ترسم مسارها إلى عقود مقبلة، ولبنان في صلب هذه التحولات التي ستنعكس عليه حُكماً وترسم مستقبله في السنوات المقبلة بعد انقشاع “غبار عاصفة التغيير الكبير”. فالصراع القائم بين واشنطن، ومن خلفها الغرب وإسرائيل والدول العربية الأساسية من جهة، وإيران وما تبقى من “المحور وأذرع الفوضى” وبدعم “خجول” من “دول الشرق” خلف الكواليس “الظاهرة” من جهة ثانية، لا يمكن إلا أن يُفضي إلى تغيير وجه المنطقة والتوصل إلى تفاهمات، “حرباً أو تفاوضاً”، ينقلها من الواقع الذي تعيشه منذ عقود إلى واقع مختلف تماماً عنوانه الكبير “السلام”؛ الذي تبقى تفاصيله ومداه رهن سرعة التغيرات.
التحولات الحاصلة في الشرق الأوسط تشبه إلى حدٍ كبير “سقوط السلطنة العثمانية”، أو “ولادة دولة إسرائيل”، أو “الثورة الإيرانية” ورحيل الشاه واستلام الموسوي الخميني السلطة في إيران. ما يحصل بفعل الأحداث والتطورات التي وقعت منذ عملية “7 أكتوبر” وأدى إلى الوضعية التي نحن فيها اليوم، “كبير جداً”، بحسب كواليس واشنطن، إن كان في دوائر الإدارة الأميركية أو على مستوى الكونغرس؛ وهي تحولات، ترى المصادر، أنها توجب حصول تغيرات على مستوى الإقليم ككل، وسيكون لها تأثيرات أكيدة على لبنان “حتماً”.
مصادر واشنطن تؤكد، أن هذا “التغيير الكبير” في المنطقة، بتأثيراته، سيضع لبنان على مسار السيادة لأول مرة منذ نحو 35 عاماً ما بعد انتهاء الحرب اللبنانية. “هناك تصميم أميركي على نجاح هذا المسار في لبنان بدعم الدولة اللبنانية والجيش اللبناني، وتوفير مساعدات اقتصادية وغيرها للبنان”، والتي ستترافق مع استعادة الدولة سيادتها وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، بالإضافة إلى مساعدة لبنان في سياق مشروع السلام الذي يدعمه الرئيس ترامب والمفاوضات بين لبنان وإسرائيل.
على ضوء هذه النظرة الأميركية إلى مجمل التطورات الحاصلة، والتصميم “الكبير” لدى الرئيس ترامب لإحداث هذا التغيير ونقل المنطقة من واقع إلى آخر مختلف تماماً عنوانه “السلام المستدام”، لبنان أمام فرصة كبيرة اليوم، إذ تتزامن هذه التغيرات مع وجود رئيس جمهورية ورئيس حكومة وحكومة تتولى السلطة، مختلفة عن المرحلة السابقة. الدولة اللبنانية اليوم، ولأول مرة، اتخذت قراراً تاريخياً بحصرية السلاح، منذ اتفاق الطائف، وهي مصممة وأعلنت عن نيتها وقرارها بنزع سلاح جميع الميليشيات والمنظمات المسلحة اللبنانية وغير اللبنانية، ومن ضمنها سلاح “الحزب”.
“عيون واشنطن” ترصد أن الدولة اللبنانية اليوم تعيد بناء علاقات لبنان الدولية مع أصدقاء لبنان، أميركا وفرنسا وأوروبا بشكل عام، ومع الدول العربية وخصوصاً دول الخليج العربي، بعدما عاث فيها محور الممانعة، وفي مقدمته “الحزب”، خراباً وضرباً وتهشيماً وأدى إلى عزلة لبنان عن كل أصدقائه في العالم.
لكن دوائر الإدارة الأميركية والكونغرس “تُنبّه”، من أن النافذة المفتوحة أمام لبنان لاستعادة سيادته والشروع في بناء دولة فعلية تتمتع بكامل مواصفاتها السيادية الدولتية وبعلاقات طبيعية مع سائر دول العالم، وعودته إلى لعب دوره على هذا المستوى، ليست “نافذة مفتوحة على مدى سنوات”، من دون أن تضع المصادر مهلة زمنية محددة، لكنها تُلمّح إلى أن هذه التغيرات الدولتية في لبنان يجب أن تحصل خلال العام الحالي، وإلا فلبنان قد يُضيّع هذه الفرصة السانحة كما أضاع غيرها في السنوات الماضية.
ما لم يلتقط لبنان هذه الفرصة، فالمستقبل مفتوح على كل الاحتمالات، وربما يُترك ليعلق في صراع إيراني ـ إسرائيلي محتمل، أو انفلاش إسرائيلي وتفلت اليد الإسرائلية في لبنان بغطاء أو غض نظر من المجتمع الدولي، وربما الدخول في توترات داخلية يجرّ “الحزب” وإيران من خلفه لبنان إليها.
على ضوء هذه المعطيات، يمكن اختصار المشهد بأن لبنان، وبظل هذه التحولات التي تحصل في الشرق الأوسط، أمام فرصة تاريخية لاستعادة سيادته واستقلاله الناجزين؛ فرصة سانحة لاستعادة لبنان “ذاته التاريخية” والعودة إلى “أيام العز”، ومن “الحرام” أن يضيّعها، أو ألا يبذل المسؤولون طاقاتهم القصوى كلها، بل “ما فوق طاقاتهم”، لالتقاط هذه الفرصة “المتاحة” اليوم أكثر من أي يوم مضى، ربما منذ نحو 57 عاماً، لاستعادة سيادة الدولة وإنقاذ لبنان واللبنانيين.
ثمة ما يدعو إلى “التفاؤل” في ما نُقل عن الرئاسة اللبنانية، بأنها أبلغت “الحزب” أنه سيتعرض لـ”إجراء حاسم من الدولة” إذا ورَّط لبنان بالحرب؛ كذلك، تأكيد رئيس الحكومة نواف سلام أنه “في ظل المخاطر المحيطة بنا، ليس من مصلحتنا، بأي صورة من الصور، ولن نقبل بأن ينجر لبنان إلى مغامرة أو حرب جديدة”. لكن الحق يقال، على الرغم من مسحة التفاؤل “الجدي”، اللبنانيون لن يوقفوا بسرعة “التنفيخ على اللبن.. لأن الحليب كاويهم”، وقبل أن يُحل الجناح العسكري والأمني للحزب بشكل حاسم ونهائي.

