.jpg)
تحت وطأة الغارات الإسرائيلية العنيفة التي استهدفت الضاحية والجنوب، ومشاهد النزوح التي غصت بها الطرقات، انعقدت في قصر بعبدا جلسة يمكن وصفها بـ “القبض على الحزب”. وخلالها، انشطرت الجبهة الحكومية؛ حيث تكتلت أغلبية ضمت رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، وزراء “القوات اللبنانية” و “الكتائب”، وانضمام لافت لوزيرَي حركة “أمل” ياسين جابر وتمارا الزين، في مواجهة ثنائية لوزيرَي “الحزب” الموصوف بالخروج عن القانون والشرعية، ركان ناصر الدين ومحمد حيدر.
وفي كواليس الجلسة الماراثونية التي استمرت لأكثر من خمس ساعات، علمت “نداء الوطن”، أنها شهدت نقاشات صريحة، لا سيما بين سلام وقائد الجيش العماد رودولف هيكل. وكشفت المصادر عن أنه غداة طرح سلام ضرورة البدء الفوري بتنفيذ الخطة شمال الليطاني واتخاذ الإجراءات الميدانية، استفسر هيكل الذي أكد جهوزية الجيش، عن مدى توفر الإجماع في السلطة التنفيذية؛ فكان ردّ سلام حاسمًا، بأن على الجيش تنفيذ القرار السياسي الصادر عن الحكومة، دون الخوض في حسابات الإجماع من عدمه، كونها لا تقع ضمن مسؤوليات القوى العسكرية والأمنية”.
أما النقطة الثانية، فبرزت حين كان هيكل يستعرض الوضع الميداني وكيفية التنسيق مع “الحزب” لتسليم السلاح؛ إذ قاطعه رئيس الحكومة، قائلًا: “كفى، لا وجود لما يسمى الأمن بالتراضي، فالأمن لم يكن يومًا خاضعًا للتوافق”، ما دفع هيكل للتوضيح بأن حديثه عن التنسيق لا يعني بأي حال من الأحوال تكريس منطق “الأمن بالتراضي”.
في السياق، كشفت المصادر أن رئيس الجمهورية تدخل لـ “دوزنة الأمور وتصويب المسار”. وأوضحت أن الجلسة شهدت مواقف صارمة من وزراء “القوات” و”الكتائب”، الذين دفعوا باتجاه تصنيف “الحزب” تنظيمًا خارجًا عن القانون، وهو ما جوبه باعتراض شيعي حول لهجة القرار. ومع ذلك، خلصت المداولات إلى إقرار الصيغة النهائية. وبخلاف الشائعات المتداولة، أكدت المصادر أن قائد الجيش غادر الجلسة فور انتهاء مداخلته التقنية، دون تسجيل أي “صدام” مع أي طرف.
وخرجت جلسة الثاني من آذار، بخمسة قرارات تلاها سلام شخصيًّا، إذ دعت إلى حظر أنشطة “الحزب” العسكرية والأمنية فورًا، ومنع إطلاق أي صواريخ أو مسيرات من لبنان، وتكليف الجيش اللبناني بحصر السلاح شمال نهر الليطاني باستخدام الوسائل كافة. توجيه وزارة الخارجية للتواصل دوليًا لوقف العدوان وتطبيق القرارات الدولية، الإيعاز لوزارة الشؤون الاجتماعية والهيئات المعنية بتأمين مراكز إيواء واحتياجات للنازحين بشكل عاجل. أما اللافت، فكان إعلان سلام، استعداد الحكومة الكامل لاستئناف المفاوضات بمشاركة مدنية ورعاية دولية، مطالبًا الدول الضامنة لإعلان وقف الأعمال العدائية بالحصول على التزام واضح ونهائي من الجانب الإسرائيلي بوقف جميع الاعتداءات على كامل الأراضي اللبنانية.
باريس: لاقتران القول بالفعل
تعقيبًا على جلسة أمس، كشفت أوساط دبلوماسية لـ “نداء الوطن” عن رؤية فرنسية إيجابية تجاه حظر النشاط العسكري والأمني لـ “الحزب”، مع تشديد باريس على أن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي ما لم تقترن بإطار سياسي يضمن التنفيذ الفعلي. وفي هذا الإطار، استحضرت المصادر نتائج الحوارات السابقة التي أجراها الرئيس عون ومستشاره أندريه رحال مع ممثلي “الحزب”، والتي خلصت إلى طريق مسدود بشأن التخلي عن السلاح. وأشارت المصادر إلى أن اتهامات “الضاحية” المتكررة لرئاستي الجمهورية والحكومة بتبني أجندات خارجية لم تُقابل بقرارات حاسمة آنذاك، مما يجعل الخطوة الراهنة مجرد حجر أساس يتطلب دعمًا متكاملًا لتحقيق غاياته.
وبالعودة إلى المشهد الحربي الذي يرخي بظلاله الثقيلة على مصير البلد، أشارت مصادر في الخارجية الأميركية لـ “نداء الوطن” إلى أن “عمليات إطلاق الصواريخ من لبنان باتجاه إسرائيل، أكدت تقييم واشنطن القديم بأن “الحزب” يعمل كقوّة “استكشافية إيرانية” وليس كلاعب لبناني مستقل. وتقول المصادر: “بات الموقف الأميركي ينظر إلى دخول “حزب” لا كمجرّد تصعيد يجب ردعه، بل لحظة حاسمة تبرّر ردًا عسكريًا قويًا، وتدخلًا إسرائيليًا أعمق، ودعمًا دوليًا أقوى لسلطة الدولة اللبنانية في مواجهة الذراع الإيراني في لبنان.
توازيًا، تؤكد مصادر أميركية دبلوماسية وأخرى في الكونغرس أن “الحزب” يُنظر إليه كـ”هدف عسكري مشروع”، من هنا لا تُصوّر هذه المصادر الردّ الإسرائيلي على أنه تصعيد، بل على أنه تطبيق للخطوط الحمراء التي تجاوزها “الحزب” عن علم.
في المقابل، كشف مصدر رسمي لـ “نداء الوطن” أن “الحزب”، الذي أسقط كافة تطميناته السابقة لرئيسي الجمهورية ومجلس النواب، يبدو ممعنًا في مكابرته؛ إذ بات جليًا للدولة اللبنانية، وللرئيس بري تحديدًا، أن “الحزب” يتلقى توجيهات مباشرة من الحرس الثوري الإيراني للانخراط في المواجهة. وأبدى المصدر مخاوف جديّة من اتساع رقعة الصراع، مشيرًا إلى أن كل المؤشرات تؤكد توريط لبنان في حرب إيرانية – إسرائيلية، ستكون تبعاتها قاسية نظرًا لاختلال موازين القوى العسكرية. وفي المقابل، أكد المصدر أن الرهان على النجاة لا يزال قائمًا رغم صعوبته، في ظل مساعي الرئيس عون لتحييد مؤسسات الدولة، مدعومًا بضمانات أميركية لا تزال سارية، تهدف لحماية تلك المؤسسات من شظايا الحرب، على غرار ما جرى في مرحلة “الإسناد”.