#dfp #adsense

بيئة “الحزب” بَكت والحزب نعى تاريخه!

حجم الخط

صحيفة نداء الوطن – رامي نعيم

 

وكأنها تنزح نحو القبر حمَلت والدة الطفل الشهيد علي حسن جابر حقيبة بيضاء صغيرة تُشبه نعشه، وخرجت في سيارتها هاربةً من إنذار إسرائيليّ صادق كالعادة. وفي زحمة السير من الجنوب إلى بيروت سألت الأم نفسها: لماذا نحن هاربون؟ لماذا أطلق “الحزب” صلية من الصواريخ إلى إسرائيل في هذا الوقت بالذات؟ وكمن تنبّه جاوبت الأم الحزينة نفسها: إنه الثأر على اغتيال المرشد الأعلى الإيرانيّ علي خامنئي، وأجهشت بالبكاء. لم تبكِ أم علي لأن خامنئي قُتل بل لأن ابنها مات رخيصًا لدرجة أن “الحزب” لم يشعر بضرورة الثأر لقتله! بل شعر بذلك كرمى لعيون خامنئي.

 

الطفل صاحب الشعر الأشقر والعينين الزرقاوين والذي أبكى الملايين لم يحرّك عاطفة “الحزب” أو من يأمرون “الحزب”. ولأن الأم شيعية ومُقلّدة لولاية الفقيه عرفت بأنه لا يحق لها أن تحزن على عليّ الصغير أكثر من حزنها على أبو مُجتبى، وتفهّمت أن دم ابنها لبناني في حين أن دم خامنئي إيرانيّ و “الحزب” ينتقم ويثأر لأولياء نعمته وليس للبنانيين مهما كان عمرهم ومهما كانت إسرائيل مُجرمة في اغتيالهم. صمتت أمّ علي كما معظم البيئة الحاضنة، لكن بعض المنتفضين لكرامتهم لم يصمتوا، بعض الشيعة نزلوا من سياراتهم وبكوا، وقفوا على الأرصفة وثاروا أمام الشجر والصخور والبحر والرياح. بعضهم الآخر استغلّ مواقع التواصل الاجتماعي وعاتب ومنهم من فضل أن يموت في صمته ندمًا منعًا لانكسارٍ جديد.

 

بكت طائفة الحُسين مكسورة وكأنها خسرت كربلاءها مع اعتراف بالهزيمة هذه المرّة، ومن لم يصفق للهزيمة بالدموع صفق بمعاتبة رفيق ومناجاة صديق. على طريق الهروب من الجنوب إلى الجبل والمتن وكسروان والشمال حكايا مليئة بالوجع لا انتصارات فيها إلا في استرجاع ماضٍ بات أصلًا مشكوكًا بصحّته، حكايا لا يُمكن البوح بها إلا في حضرة العائلة الصُغرى حيث يمكن تخوين القائد ورجم المرشد ومعاتبة الأمين الراحل ومناجاة الإمام المغيّب. حكايا لا بطولات فيها بل تحسّر وألف يا ليت.

 

مع فجر الثاني من آذار 2026 دفن “الحزب” تاريخه المقاوم ليس بإطلاق صلية إلى إسرائيل بل بتبني العملية من خلال إصدار بيان كان أشبه بورقة نعوة لحزب حكمَ لبنان أكثر من 40 عامًا. أطفال في أسرّتهم وأمهاتٌ ساجدات يؤدّين الصلاة قبل السحور ومسنّون يعدّون ما تبقى لهم من أيام وساعات… جميعُهم مَسحَ “الحزب” بكرامتهم الأرض ليس لهدف وطنيّ نبيل وليس دفاعًا عن شرفهم وعرضهم وأرضهم وليس انتقامًا لاغتيال أحد أبنائهم، بل لأن أحد الإيرانيين أمره بإطلاق الصواريخ. جميع هؤلاء بكوا وخافوا واتصلوا بالصديق وبالخصم باحثين عن ملاذ خائفين من غلاء الإيجار ومن خوف الجار ومن القصف والنار. جميعهم نزحوا ونزحَ “الحزب” من عيونهم فرفضوا الموت متأخرين وتعلقوا بالحياة كمن وُلد من جديد.

 

بكى النازحون أمس لأنهم استفاقوا على حقيقة “الحزب” المرّة فكان بيان “الحزب” الصفعة التي احتاجوا إليها ليعرفوا أن نساءهم ولّادات لمشروع إيرانيّ أطفالهم رهائن ورجالهم وقود، واستفاقوا اليوم على نظام إيرانيّ يترنح ومشروع دينيّ في حالة موت سريري فالتجأوا إلى لبنانيتهم وحملوا هُوياتهم المكتوب عليها: لبناني منذ أكثر من 10 سنوات، واستراحوا .

 

المصدر:
نداء الوطن

خبر عاجل