#dfp #adsense

لبنان ليس محافظة إيرانية

حجم الخط

ما حدث ليس سوء تقدير. ليس انفعالًا عسكريًا عابرًا. ليس “خطأ في الحسابات”. ما حدث هو قرار واضح من ميليشيا إيرانية بإدخال لبنان في حرب إقليمية كبرى في لحظة اشتعال شامل بين إيران وإسرائيل. قرار لم تتخذه الدولة اللبنانية، ولم يُستشر فيه شعبها، ولم يمرّ عبر مؤسساتها الدستورية، ومع ذلك فُرض على بلد كامل أن يتحمّل نتائجه.

عندما تُفتح جبهة الجنوب بالتزامن مع مواجهة تمسّ رأس النظام الإيراني، وعندما يُربط التصعيد اللبناني بخطاب صريح يضعه في سياق معركة إقليمية، يصبح الادعاء بأن ما يجري شأن لبناني صرف ضربًا من التضليل. لبنان لم يخض حربه. لبنان استُخدم في حرب الآخرين. وهذه ليست قراءة سياسية، بل توصيف لواقع صار واضحًا للجميع.

الدولة اللبنانية أعلنت أن أي عمل عسكري خارج إطارها هو عمل غير شرعي وخارج عن القانون. هذا إعلان مهم، لكنه لا يغيّر شيئًا إذا بقي إعلانًا. لأن المسألة لم تعد نصوصًا، بل قدرة فعلية على فرض القرار. الفجوة بين الموقف الرسمي والواقع الميداني ليست تفصيلًا تقنيًا، بل عنوان أزمة حكم: حين لا يكون قرار الحرب بيد الدولة، لا يعود للسيادة معنى عملي.

تغليف هذا الواقع بشعارات المقاومة لم يعد يقنع أحدًا. المقاومة التي لا تخضع لقرار الدولة ليست مقاومة وطنية، بل قوة عسكرية مرتهنة لمحور خارجي تتحرك وفق حساباته. وعندما تتحرك ميليشيا خارج الإطار الدستوري، فإنها لا تحمي الدولة، بل تزيحها جانبًا. في تلك اللحظة لا تعود المشكلة في خلاف سياسي، بل في خلل بنيوي: سلطة السلاح تتقدم على سلطة المؤسسات.

الكلفة واضحة ومباشرة: نزوح، تدمير، شلل اقتصادي، وبلد يُعاد إدخاله إلى منطق الحرب فيما لم يخرج بعد من الحرب الأخيرة ولا يزال يرزح تحت أنقاض أزماته. الأكثر قسوة أن البيئة التي يُقال إنها محمية بهذا السلاح، هي أول من دُفع إلى الطرقات. أول من عاد إلى مشهد النزوح. أول من تحمّل النتائج. لا يمكن الادعاء بحماية الناس بينما يُعاد إنتاج مأساتهم باسم معارك لا يملكون قرارها.

لبنان ليس ساحة ملحقة باستراتيجية إقليمية. ليس صندوق بريد عسكري. ليس ورقة تفاوض. هو دولة يُفترض أن يكون قرارها واحدًا وسلاحها واحدًا. وإذا لم تُحسم هذه المعادلة الآن، فسيتكرّس واقع أخطر: أن الدولة موجودة شكلًا، ولن يعود هناك حاجة لاستمرارها.

المسألة لم تعد سجالًا أيديولوجيًا بين مؤيد ومعارض. أصبحت مسألة وجود دولة من عدمها. لا يمكن الاستمرار بازدواجية قاتلة: بيان سيادي في العلن، وقرار عسكري منفصل في الواقع. لا يمكن الحديث عن وطن فيما يُربط مصيره بمحور إقليمي أكبر منه. لا يمكن مطالبة اللبنانيين بالصمود فيما يُحرمون من حقهم الأساسي في أن تكون الحرب قرار دولتهم لا قرار فصيل.

ولنكن أكثر وضوحًا: استمرار هذا المسار لا يهدد لبنان فقط، بل يهدد الطائفة التي يُقال إن هذا السلاح يمثلها. لأن تحويلها إلى رأس حربة دائمة في صراعات إقليمية يعني عزلها أكثر، استنزافها أكثر، وتعريضها لمزيد من الدمار باسم شعارات لم تعد تقنع أحدًا. لا أحد ينتصر عندما تُختزل طائفة كاملة في وظيفة عسكرية عابرة للحدود.

الحل لم يعد نظريًا ولا قابلًا للمماطلة. المطلوب واضح وصريح: تنفيذ قرار الدولة فورًا، سحب السلاح غير الشرعي، منع أي عمل عسكري خارج المؤسسات، ووضع حدّ نهائي لمرحلة ازدواجية القرار. والأهم، تحميل المسؤولية السياسية لكل من أخّر هذا الاستحقاق لأكثر من عام بذريعة الحوار مع فصيل مسلح، رغم أن كل التجارب أثبتت سقوط هذا النوع من الحوارات حين لا يُستند إلى ميزان سيادي واضح. لقد تأخرنا. وأي مماطلة جديدة في تطبيق ما تقرر أخيرًا لن تكون خطأ سياسيًا فقط، بل خطأ قاتل.

لبنان ليس محافظة إيرانية. وليس ذراعًا عسكرية لأحد. هو وطن لملايين اللبنانيين الذين سئموا أن يكونوا وقودًا في معادلات غيرهم. وإذا لم يُحسم هذا المسار الآن، فسيُكتب بوضوح أن الدولة لم تسقط بقوة عدو خارجي، بل سقطت حين قبلت أن يكون قرار الحرب خارجها، وحين ترددت في استعادة حقها الطبيعي في احتكار القوة.

اللحظة لم تعد تحتمل مسكنات. إما أن تُثبت الدولة أنها صاحبة القرار والسلاح، أو يُعلن صراحة أن الكيان دخل مرحلة إعادة تأسيس قسرية، لأن الدولة التي لا تملك قرار الحرب لا تملك حق الاستمرار بصيغتها الحالية. التاريخ لا يعاقب الضعفاء فقط، بل يعاقب المترددين. ومن يتأخر في استعادة سيادته، يخسرها بالكامل.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل