#dfp #adsense

خاص – لسنا وقوداً لحروب الآخرين! (ريما صيرفي)

حجم الخط

الحروب

أنا لا أحبّ الحروب، بكل أشكالها ومسمياتها ومحاورها. لا أؤمن أنّ الإنسان خُلق ليكون وقوداً لصراع إقليمي، ولا أقتنع بأن موت الأبرياء يمكن أن يكون ثمناً مقبولاً ليرتفع شعار فوق شعار الدولة.

ما يجري اليوم من حرب ضروس بين محور تقوده إيران ومعه حزب الله، ومحور تقوده الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، ليس قدَراً مُنزَّلاً على الناس البسطاء. هو قرار سياسي وعسكري واستراتيجي يُتخذ في غرف مغلقة، لكن نتائجه تُدفع على الأرض من لحم الناس وبيوتهم ومستقبلهم.

صواريخ تنطلق من هنا وهناك، أبنية تُقصف، قياديون يُستهدفون، ويُقال لنا إننا نقترب من “الهدف المنشود” الذي نتوق اليه ونرجو أن يتحقق في نهاية هذا النفق المظلم، الذي ظلم بيئة حاضنة لم تجد من يحضنها.

تحوّلنا اليوم إلى لعبة عنوانها: من يُوجِع الخصم أكثر؟ والمؤسف أنّ الشعوب وحدها تدفع الثمن: خوفاً دائماً، تهجيراً قسرياً، فقداناً لا يُعوَّض، وضياعاً يتراكم في النفوس.

أني واحدة من الذين لا يريدون لشعبهم أن يتحمّل قسوة ما يحصل على أمل وعود غامضة بأن “السلام قريب”. أي سلام هذا وجنوب لبنان يُستنزف؟ وأي نعيم سنُبشَّر به فيما هناك ناس صدقوا الوهم وصاروا إمّا تحت التراب وإمّا مشرَّدين بلا مأوى؟

الحرب بدأت في شهر رمضان، شهر السكينة والتراحم ولمّ الشمل. لكن أي سكينة هذه وعائلاتنا في الجنوب والضاحية تهرول هاربةً من بيوتها؟

سيارات تكدّست بعشرة أشخاص. أطفال حُمِلوا نياماً. مسنّون أُسنِدوا بصعوبة. مرضى قضوا ليلتهم في مركباتهم. ساعات طويلة في زحام الهروب، بحثاً عن ملاذ آمن. أمّ تفترش الأرض في ساحة عامة، وطفل يسأل والده: “لوين رايحين؟”.

هذا ليس مشهداً عابراً في نشرة أخبار، بل صورة موجعة من لبنان، حيث كرامة الشعب تُسحق.

المؤلم ليس القصف وحده، بل هذا التناقض الفادح لدى الحزب الذي يُمسك بواجب إقليمي دفاعاً عن أجندة مرتبطة بطهران، فيما يضحّي ببيئته الحاضنة ويهجّرها في ليالي القصف والبرد، ويرمي بها إلى المجهول. كيف نقبل منه أن يُهاجم قرارات الدولة ويُضعف مؤسساتها، ويتخذ قرار الحرب، ثم يرمي بعائلاته لتطلب الحماية والرعاية من المؤسسات نفسها؟ أي منطق هذا؟ أن يتنصّل من الدولة حين يقرر الحرب، ثم يلجأ إليها حين تدفع بيئته الثمن؟

هذا السلوك المنفصم لا يمكن تفسيره إلا كمن يُقدم على انتحار سياسي جماعي، لا منفرداً بل ومعه كل بيئته، وغصباً عنها. فالمجتمعات لا تُستشار حين تُزجّ في صراعات أكبر منها، لكنها تُدفع إلى النزوح، وتُجبر على دفع الفاتورة كاملة.

في هذه الحرب، عدم توازن القوى واضح، والتفوّق العسكري والتكنولوجي للطرف الآخر حقيقة لا يمكن تجاهلها. ومع ذلك، يُدفع المدنيون إلى الواجهة وكأنهم تفصيل في معركة يُعوَّل فيها على عون من الملائكة! لكن الملائكة لا تقاتل، بل تحرس من يصونون شعوبهم، لا من يعرّضونهم للخطر ثم يطلبون منهم الصبر باسم الكرامة.

نحن نرفض هذه المعادلة. نرفض أن يموت الناس كي “يحيا الوطن”. فالوطن لا يحيا فوق أجساد أبنائه، بل بهم. يحيا حين نستثمر في علمه واقتصاده وأمنه الاجتماعي، حين يشعر كل مواطن أنه شريك كامل لا درعاً بشرياً.

لا نريد وطناً يعيش على وقع الصواريخ. نريده وطناً يفاخر بأبنائه الأحياء، لا بعدد شهدائه. نريده وطناً يحمي ناسه قبل أن يخوض معاركه.

من أقنعنا أن الحرب قدر مقدّس؟ ومن أخبرنا أن السلام ضعف، وأن الكرامة تُقاس بحجم الدمار؟

في هذا الشهر الذي يصوم فيه المسيحيون والمسلمون، دعائي أن تُعاد للناس كرامتهم، وأن تستعيد السياسة إنسانيتها، وأن يتعلّم الجميع أن نحيا من أجل الوطن… لا أن نُطلَب للموت باسمه.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل