صحيفة النهار – نبيل بومنصف
نادرا ما استقطب قرار حكومي في لبنان، قديما وحديثا، تأييدا عارما يعكس حالة اجماعية حقيقية كمثل ما أحدثه قرار مجلس الوزراء يوم 2 آذار الحالي بحظر الشق العسكري والأمني لـ”الحزب” وتصنيفه خارجا عن القانون يفترض بالجيش والأجهزة والقضاء ملاحقته تنفيذا لقرار الحكومة. و”الأشد ندرة” من هذا الإجماع أن ينزاح أخيرا زعيم الشيعة الرسمي منذ أكثر من ثلاثة عقود، الرئيس نبيه بري، إلى صف الإجماع الوطني هذا، فيؤيد قرار الحكومة والدولة ويضع الإسفين الكبير لانفصال ما سمي ثنائيا شيعيا في ظاهرة مذهبية سياسية متسلطة احتكرت طويلا الطائفة برمتها وأودت بها إلى أسوأ المصائر بعدما تحولت ستارا لغطرسة الاستتباع لإيران التي مارسها ولا يزال الحزب الموصول بإمرة الحرس الثوري وإدارته المباشرة.
والحال أن التوصيف الموضوعي لما أقدم عليه “الحزب” في التورط باستدراج إسرائيل إلى الحرب التي أعدت لها عدتها ويرجح أنها كانت تنتظره بفارغ الصبر ليقدم ذريعتها، يشكل إجرائيا بداية انهيار الحزب هذه المرة على نحو حاسم عسكريا وتنظيميا، بما يفسر معالم الفراغ والفوضى التي واكبت أقدامه على إطلاق الصلية الأولى من الصواريخ الفاشلة، ومن ثم غياب القيادة السياسية تماما على نحو أفدح من الضياع الذي واكب اغتيال السيد نصرالله. ليست الحال مطابقة تماما بين ما حل بإيران بعد اغتيال خامنئي وقيادتها العسكرية الأمنية، وما حل بحزبها في لبنان. من الواضح أن الحرس الثوري لا يزال يمتلك الكثير هناك، لكن ذراعه في لبنان أصيبت من أول الطريق ببوادر الانهيار الذي كان لا بد منه بعدما أفرطت قيادة الحرس الثوري في استخدامه واستنزافه حتى الرمق الأخير بلا هوادة.
حتى تلك الفزاعة الدائمة التي اتكأ عليها “الحزب” طويلا لمنع تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة، فزاعة الحرب الأهلية، سقطت سقوطا مبرحا في مجلس الوزراء وبلسان رئيس الحكومة، حين كلف الجيش بمنتهى الوضوح تنفيذ قرار حظر “الحزب العسكري والأمني”، وسُحقت بذلك رسميا منظومة تهويل مديدة كان يتعين عدم انتظار المقتلة المغامرة الأخيرة للحزب لإسقاطها. حصل ذلك متأخرا جدا لكنه حصل أخيرا، فيما كان هذا الحزب بلسان رئيس كتلته الذي ذاع النبأ عن اغتياله ولم يكذبه لساعات، يطلع على اللبنانيين في آخر اليوم ببيان يثبت قطعا أن الفكر الخشبي المتحكم في الحزب والذي من أعظم تجلياته سياسة الإنكار الخيالية، هو أكبر مآثره إطلاقا.
مئات ألوف الجنوبيين كانوا يعتصرون القلوب وهم ينزحون للمرة المئة وأكثر عن منازلهم وبلداتهم وقراهم ويهيمون في أنحاء لبنان تهجيرا وتعتيرا ويأسا، فيما ذراع إيران في لبنان التي صادرت شيعة لبنان تمعن في مكابرة أشبه بمكابرة الفاشيين والنازيين القدامى بأنها تقاوم إسرائيل ولا تخدم نظام الملالي المشارف الانهيار الوشيك. ومع ذلك، هي أيام مفصلية مقبلة بتسارع حربي تدميري ينذر بآخر “انتصارات” الحزب الإلهية، أي استدراج احتلال إسرائيلي مستعاد للشريط الحدودي بعمق لا يقل عن عشرة كيلومترات، وحينذاك سيهلل الحزب أمام عموم اللبنانيين ولا سيما منهم أبناء الجنوب الذي “تشارك” مع إسرائيل في تهجيرهم، بأنه قام بفرض إلهي أوجب هذه التضحية الانتحارية الختامية.
في هذه المشهدية الكارثية لا ينبغي ترك فسحات غموض، ولذا السؤال الذي قد يحدث ألما ووجعا، ولكن لا بد منه أمام أرتال المتألمين تهجيرا في أنحاء لبنان: متى تنتفضون ضد من جعل التهجير نظام حياة لكم؟
