.jpg)
دخول حزب إيران في الحرب الأخيرة وتوريط لبنان بها كان حتماً خطيئةً مميتة، واستوجب قراراً من مجلس الوزراء منذ أيام قليلة بحظر النشاط السياسي لـ”الحزب” واعتبار مسلّحيه خارجين عن القانون. لكن هذا القرار يجب أن يكون مفعوله رجعياً، لأن “الحزب” خرج عن القانون منذ زمن بعيد. ولن نعود حتماً إلى زمن تأسيسه الذي بدأ مع تصدير الثورة الإيرانية في الثمانينيات، إنما على الأقل منذ العام 2005 وحتى اليوم.
فهذا “الحزب” ارتكب المعاصي والخطايا منذ ذاك الوقت، ومضبطة الاتهامات طويلة ومقرونة بالوقائع: اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري وعدد كبير من الشخصيات السيادية الاستقلالية والإعلامية والعسكرية والأمنية، وتوريط لبنان بحرب تموز 2006، والاعتداء على المواطنين العزّل في بيروت في 7 أيار 2008، وظهور القمصان السود عام 2011، وتعطيل الاستحقاقات الدستورية بفائض قوة السلاح لفرض شروطه وهيمنته، والاحتكاك بعرب خلدة، والاصطدام بأهالي الكحالة وشويا، إضافة إلى أكثر من دليل على تورّطه في انفجار مرفأ بيروت وتهديده القاضي طارق البيطار، وغزو عين الرمانة وترويع أهلها بالسلاح الخفيف والمتوسط، وصولاً إلى حرب الإسناد عام 2023 وتوريط لبنان في حرب مدمّرة أدت إلى نكبة الطائفة الشيعية الكريمة، خصوصاً في الجنوب، وكل ذلك إرضاءً لمرجعيته الإيرانية.
إضافة إلى عمليات التهريب والأعمال غير المشروعة، كتجارة الكبتاغون، والمشاركة في الحرب السورية، وتعكير علاقات لبنان بالدول العربية، وغيرها من الأمور التي زعزعت استقرار لبنان السياسي والاقتصادي.
لقد تحوّل “الحزب” إلى عبء على اللبنانيين، بل هو “سرطان” في الجسم اللبناني كان من الضروري استئصاله، مهما كان الثمن، منذ انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب عام 2000 وانتهاء مبررات احتفاظه بالسلاح، على الرغم من عدم جدية دور هذا السلاح في انسحاب إسرائيل، وهناك وقائع ومواقف ووثائق إسرائيلية تؤكد ذلك.
لذلك تأخر قرار مجلس الوزراء اللبناني، على الأقل، 26 عاماً، وكل ذلك بسبب مشروع النظام الإيراني الأصولي المتشدد وتصميمه على تصدير ثورته وتعميم التجربة المذهبية الفاشلة على دول أخرى، وهو غالباً ما تفاخر بسيطرته على بعض الدول العربية، قبل أن يبدأ بالانكفاء بعد العام 2023.
هذا القرار الحكومي البالغ الأهمية جاء في توقيت مهم جداً، لأن “الحزب” يعرف أن الظروف تغيّرت وأن لبنان لا يستطيع تحمّل حرب جديدة. وكانت الدولة اللبنانية تبذل أقصى جهودها لتحييد لبنان عن حريق المنطقة، وفجأة رمى “الحزب” بصواريخه نحو إسرائيل وأقحم لبنان في الحرب، وأعطى إسرائيل مبرراً لتبدأ حربها الضروس عليه. وهذا معروف النتائج: الدمار والموت والتهجير والفقر والهزيمة، وخصوصاً أن الآلة العسكرية الإسرائيلية لا ترحم، بل تفوق بتطورها التكنولوجي وقدراتها محور الممانعة من رأسه الأعلى في إيران وصولاً إلى أخمص قدميه في الضاحية الجنوبية.
لكن إذا أردنا وضع الإصبع على الجرح، فإن مضبطة الاتهام لـ”الحزب” لا تنحصر به حتماً، إنما هناك من ساعده وتحالف مع مشروعه طوال هذه الأعوام، وأبرزهم “التيار الوطني الحر” متمثلاً بمؤسسه ميشال عون ثم رئيسه الحالي جبران باسيل. وكانت الكارثة الكبرى في تقديم هذا الفريق السياسي غطاءً مسيحياً لمشروع “الحزب” المسلح عبر اتفاق مار مخايل عام 2006، ما أدخل البلد في نفق، وجعل “التيار” يتقهقر سياسياً ويفقد تدريجياً الوكالة الشعبية المسيحية التي أُعطيت له في الانتخابات النيابية عام 2005.
ما فعله “التيار” هو جريمة بحق لبنان. ولو أردنا تطبيق العدالة، فإن التعامل مع مجموعة خارجين عن القانون وتسهيل مهماتهم طوال الأعوام السابقة يفرض أن يطال الحظر هذا “التيار” المعادي بأداء رئيسه وبعض أعضائه لهوية لبنان السيادية والاستقلالية. فممارسة الذمية لدى هذا “التيار” أصبحت نهجاً وأسلوباً. وإلا كيف نفسّر ما يروّجه مرشحه للمقعد النيابي في جبيل وديع عقل، الذي ينافس نفسه في التبعية للمشروع الإيراني والتصفيق المجاني لـ”الحزب” المنحرف، وكأنه يربط مصيره بمصير الخارجين عن القانون؟ وهذا كلام أخير له خير دليل على ما نقوله: “الحزب حزب لبناني، ومن يتعرض له يتعرض لنا”، وغيرها من المواقف لهذا “المنافق” الذي يضلل الناخبين الجبيليين.
طبعاً، تراجع عدد نواب “التيار” هو نتيجة ابتعاده عن الوجدان المسيحي واللبناني. وحتى الأمس كان باسيل يسعى إلى التحالف مع هذا “الحزب” انتخابياً، متلاعباً بمواقفه، تارةً بمعارضة توجهات “الحزب” وطوراً بتأييده، مراهناً على ضعف ذاكرة بعض الناس.
لم يتعلّم هذا “التيار” الفاسد والماكر أن البهلوانيات السياسية في هذه الظروف تكون قاتلة سياسياً، لذلك فليدفع ثمن انحرافه مع مشروع “الحزب” المدمّر لهوية لبنان، في وقت بدأ حليفه الأساسي، بل الأخ الأكبر، الرئيس نبيه بري، يراجع حساباته ويحاول أن ينقذ نفسه عبر الخروج من المركب الذي يغرق.
لا أفق لهذا “الحزب” في المستقبل، فهو جلب المصائب والكوارث لبيئته “المسكينة”، وتتحمل الطائفة الشيعية الكريمة شرّ النزوح والتشرّد والموت. وهذه التبعية العمياء للنظام الإيراني ستؤدي إلى هلاك “الحزب”. ومن المتوقع أن تقوم الأجهزة الأمنية اللبنانية، ولا سيما الجيش اللبناني، بتطبيق قرار الحكومة الأخير وتوقيف كل تحرك لهؤلاء الخارجين عن القانون. وإذا لم تقم بذلك، فستساهم في تعريض لبنان لمآسٍ أكبر في حرب لن تنتهي إلا بالقضاء على المشروع الإيراني على نحو كامل.
