#dfp #adsense

خاص – بين كبرياء نبوخذ نصّر وتمرد إيران: قراءة رمزية بين النص المقدّس والواقع السياسي (سيزار عبدالله الخوري)

حجم الخط

يروي الكتاب المقدّس في سفر دانيال قصة الملك البابلي نبوخذ نصّر الذي بلغ ذروة القوة والسلطان في زمانه. فقد كان حاكمًا لإمبراطورية عظيمة تمتد على مساحات واسعة من الشرق الأدنى، وكان يعتقد أن مجده وقوته نابعان من ذاته لا من الله. وفي لحظة من لحظات الغرور قال: «أليست هذه بابل العظيمة التي بنيتها بقدرة اقتداري ولجلال مجدي؟» (دانيال 4:30).

هذا الإعلان لم يكن مجرد تعبير عن فخر ملكي، بل اعتُبر في الرواية التوراتية تمردًا على سلطة الله ونسبًا للمجد الإلهي إلى الإنسان.

وبحسب النص، جاء العقاب سريعًا؛ إذ أصيب نبوخذ نصّر بحالة أشبه بالجنون، وطُرد من بين الناس ليعيش في البرية كالحيوانات، يأكل العشب ويبتل جسده بندى السماء حتى أدرك أن «العليّ متسلّط في مملكة الناس ويعطيها لمن يشاء». وبعد سنوات عاد إلى رشده، واعترف بسيادة الله على الممالك والأمم.

هذه القصة تحمل بعدًا رمزيًا يتجاوز الحدث التاريخي، إذ تُظهر فكرة أساسية في الفكر الديني: أن السلطة التي تتضخم وتظن نفسها فوق النظام الكوني أو الأخلاقي تُواجه في النهاية لحظة تصحيح قاسية.

عند النظر إلى الواقع السياسي المعاصر، نرى تشابهًا رمزيًا بين هذه الرواية وبين سلوك بعض الدول التي تتبنى نهج التحدي المستمر للنظام الدولي. وهنا تُذكر إيران في هذا السياق بسبب سياستها القائمة على مواجهة المؤامرات الوهمية التي لا تتعدى كونها سياسة سيطرة وهيمنة بقوة السلاح والنفوذ على الدول الضعيفة، إلى جانب مشروعها الإقليمي وبرنامجها النووي الإرهابي.

فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، تبنّت إيران خطابًا يقوم على مقاومة النظام العالمي القائم، معتبرة نفسها قوة ثورية تقف في وجه ما تصفه بالاستكبار العالمي. وقد أدى هذا النهج إلى سلسلة من العقوبات والعزلة السياسية والاقتصادية، وهو ما يشبه في نظرنا مرحلة العزلة التي عاشها نبوخذ نصّر في البرية بعد أن بلغ ذروة قوته.

غير أن المقارنة هنا ليست حرفية أو دينية بالضرورة، بل رمزية وفلسفية. فقصة نبوخذ نصّر تطرح سؤالًا دائمًا في التاريخ السياسي:

هل يمكن لقوةٍ ما أن تتحدى النظام الدولي أو الإلهي أو الأخلاقي من دون أن تواجه في النهاية ردّ فعل يعيد التوازن؟

التاريخ مليء بأمثلة إمبراطوريات ودول اعتقدت أن قوتها مطلقة، لكنها وجدت نفسها لاحقًا مضطرة إلى التكيّف مع الواقع أو دفع ثمن العزلة والصراع.

في النهاية، تبقى قصة نبوخذ نصّر في الكتاب المقدس تذكيرًا رمزيًا بأن الكبرياء السياسي أو الإمبراطوري قد يقود إلى لحظة سقوط أو مراجعة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل