نشأت “القوات اللبنانية” كشكل من أشكال المقاومة المسيحية دفاعًا عن القضية التي تتالى على الدفاع عنها رموز عديدة منها رهبان وقديسون وأدباء ومؤرخون ومسؤولون، كل من موقعه وفي مجاله، وهي الدفاع عن الوجود والاستمرار في ظل دولة قوية وقادرة.
منذ فجر التاريخ، كان لبنان، بمختلف تسمياته، ممرًا للشعوب ومقرًا للطامعين، وقد شكلت هذه النقطة سببًا أساسيًا لوجود المقاومة، وإن تعددت أشكالها، فمن مار يوحنا مارون الذي قاد شعبه بوجه الاضطهاد فالتف الناس حوله وشعروا بالأمان والقوة والاستقرار في القرن الأول بعد الميلاد، إلى المقاومة السياسية اليوم بوجه الهيمنة والتحكم بمفاصل الدولة سياسيًا وعسكريًا وماليًا، مرورًا بالثورات ضد الإقطاع والانتداب والاحتلال، سعى اللبنانيون الوطنيون دومًا إلى دحض القمع والظلم والطغيان.
أما الحقبة الأبرز التي ظهر فيها جليًّا الخروج من كنف الدولة، فهي السنوات الأخيرة، بدءًا من ثمانينيات القرن الماضي، حيث فقدت الشرعية هيبتها وحضورها الفعلي بسبب نشوء جماعات مسلحة لبنانية وغير لبنانية فرضت سلطتها غير الشرعية في الداخل اللبناني بدعم مباشر من الاحتلال السوري آنذاك.
ولما كانت “القوات اللبنانية” التي أسسها بشير الجميل مقاومة تهدف إلى الدفاع عن السيادة والوجود، فقد اتخذت قيادتها برئاسة الدكتور سمير جعجع قرارًا بتسليم سلاحها يوم حان الوقت أن تقوم الدولة بواجباتها، واتفقت المكونات اللبنانية على أن الدولة تحمي جميع أبنائها، وخطا أيضًا هذه الخطوة عدد من الأحزاب اللبنانية. وبقيت “القوات اللبنانية” حتى يومنا هذا الداعم الأول للشرعية والسيادة، تعمل بجهد للحفاظ على دور الدولة أينما حلت في المجلس النيابي والوزاري والإدارات العامة، بعيدًا من الفساد والمحسوبيات والمحاصصات. فيما حافظت جماعات أخرى، ومنها “الحزب”، على سلاحها خلافًا للدستور بدعم من الاحتلال السوري آنذاك ثم من الأحزاب والتيارات التي أمنت لها لاحقًا غطاءً سياسيًا، فتحكمت شيئًا فشيئًا بالقرارات الداخلية والخارجية والعسكرية والأمنية والمالية، حتى أصبحت تزج لبنان بالحروب والصراعات الإقليمية من دون اللجوء إلى الدولة.
وبما أن تطبيق الدستور ليس قرارًا ولا خيارًا بل واجبًا على كل مواطن، وبما أن تطبيق الاتفاقات الدولية واجب على الدولة اللبنانية، تظهر اليوم ضرورة بناء الدولة الحقيقية، الحامية بشرعيتها، شعبها بكل مكوناته.
انطلاقًا من كل ذلك، بدأ العهد الحالي، وفق الآلية التنفيذية التي تعنى الحكومة بإقرارها، بالعمل على بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وحصر السلاح بالقوى الشرعية التي حدّدها القرار الحكومي في 5 آب 2025 والذي يتم استكماله اليوم بالبيان الذي صدر عن الحكومة في 2 آذار 2026 والذي كان جديًا وصارمًا بعدما رمى “الحزب” اللبنانيين في أتون الحرب للمرة الثانية خلال سنتين من دون الرجوع إلى الدولة، خاصة وأن الحرب هذه المرة إقليمية وأكثر تأثيرًا على لبنان من سابقاتها.
المطلوب اليوم إذًا، أكثر من أي وقت مضى، تنفيذ القرار بيد من حديد لأن كل مواطن لبناني ملزم بالعودة إلى دولته والالتزام بقراراتها والاتفاقيات التي وقعتها وتطبيق دستورها وقوانينها، وإلا كان خارجًا عن القانون ووجبت ملاحقته.